Ahl Sunna

‫املؤتمر العالمي لعلماء املسلمين‪ :‬من هم أهل السنة والجماعة؟‬ ‫جروزني ‪ 27-25‬أغسطس ‪2016‬م‬ ‫تعريف عام‬ ‫بأهل السنة والجماعة‬ ‫كتبه‬ ‫سعيد فودة‬ ...

0 Downloads 11 Views
‫املؤتمر العالمي لعلماء املسلمين‪ :‬من هم أهل السنة والجماعة؟‬ ‫جروزني ‪ 27-25‬أغسطس ‪2016‬م‬

‫تعريف عام‬ ‫بأهل السنة والجماعة‬

‫كتبه‬ ‫سعيد فودة‬

‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬

‫مذهب أهل السنة والجماعة‬

‫الحمد هلل رب العاملين والصالة والسالم على سيدنا محمد أفضل األنبياء‬ ‫واملرسلين‪ ،‬وبعد‬ ‫فهذه نظرات في التعريف بأهل السنة على سبيل اإلجمال‪ ،‬وإشارة إلى وجودهم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تاريخيا ومكانتهم بين املسلمين إجماال‪.‬‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫اشتهر عند العلماء أن أهل السنة والجماعة هم من سار على نهج النبي ‪‬‬ ‫وأصحابه الكرام عليهم رضوان هللا تعالى‪ ،‬ولم ينحرفوا بابتداع وال بهوى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وجاءت نسبتهم إلى السنة إشارة إلى حفاظهم عليها‪ ،‬وعملهم بها‪ ،‬تحقيقا لكونها‬ ‫وحيا من عند هللا تعالى‪ ،‬ولكونها صادرة عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الذي ال‬ ‫ً‬ ‫ينطق عن الهوى‪ ،‬وفي مقابل من شكك في األخذ بها وفي اعتبارها مصدرا من مصادر‬ ‫التشريع‪ ،‬كبعض املبتدعة الذين رفضوا العمل بها مع القرآن‪ ،‬ومن وافقوهم في هذا‬ ‫الزعم من املعاصرين سواء كانوا من العلمانيين أو منحرفي األفهام‪ .‬وكذلك في مقابل‬ ‫من أنكر ً‬ ‫كثيرا من السنة ال بصورة صريحة‪ ،‬لكن بشكل ضمني‪ ،‬كالشيعة الذين‬ ‫رفضوا كثيرا من روايات أهل السنة لرفضهم كثيرا من رجال أهل السنة‪ ،‬فآل ذلك‬ ‫املوقف منهم إلى رفض كثير من السنة‪ ،‬وإنكار كثير مما كان ً‬ ‫واقعا من األحداث‬ ‫واألحكام عند السلف‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقصدا أوال‬ ‫وأما نسبتهم إلى الجماعة‪ ،‬فاملقصود منهم إجماال جماعة الحق‪،‬‬ ‫صحابة النبي عليه الصالة والسالم‪،‬وذلك أن أهل السنة أعظم الفرق اإلسالمية التي‬ ‫حفظت لهم مقامهم العظيم من اإلسالم‪ ،‬فلم يقدحوا في أكابرهم كما فعل الخوارج‪،‬‬ ‫والشيعة‪ ،‬ولم يتهاونوا في اتباع اجتهاداتهم واالستفادة منها كما وقع فيه غيرهم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مخصوصا بهم‪ ،‬وإن زعم غيرهم أنه‬ ‫ثم صار اسم أهل السنة والجماعة عل ًما‬ ‫عامل بما جاء عن النبي ‪ ‬أو موقر ألصحابه عليه السالم‪.‬‬ ‫وقد اشتهر عند العلماء أن اسم أهل السنة يندرج فيه أكثر العلماء في مختلف‬ ‫العلوم الدينية والدنيوية‪ ،‬وكذلك يندرج فيهم أكثر امللوك والسالطين‪ ،‬ومعهم أكثر‬ ‫دول اإلسالم في الشرق والغرب مما ال قدرة لنا على ذكره في هذا املقام‪ ،‬وأكثر امللوك في‬ ‫أقاص ي البالد كانوا على طريقة أهل السنة والجماعة إلى زمان نهاية دولة اإلسالم بإزالة‬ ‫الخالفة العثمانية‪ ،‬ثم صار األمر بعد ذلك يحتاج تفصيال ً‬ ‫خاصا إلى زماننا هذا‪.‬‬ ‫وكذلك يندرج فيهم أكثر العوام على مر السنين‪ ،‬بحيث إن إحصاءهم وعدهم‬ ‫عدا يعتبر من قبيل املحال‪.‬‬ ‫ومن أعظم من قام بهذا األمر العظيم ‪-‬على مذهب أهل السنة والجماعة‪ -‬من‬ ‫الدفاع عنه والترويج ملفاهيمه وردا على خصومه هم األشاعرة واملاتريدية‪.‬‬ ‫فاألشاعرة أتباع اإلمام أبي الحسن األشعري (ت ‪324‬هـ)‪ ،‬واملاتريدية أتباع اإلمام‬ ‫أبي منصور املاتريدي (ت‪333‬هـ)‪.‬‬ ‫ويدخل في ذلك من وافقهم وإن لم ينتسب إليهم فيعد منهم حكما‪.‬‬ ‫فهذان اإلمامان هما إماما أهل السنة اللذان قعدا القواعد واهتما أبلغ االهتمام‬ ‫بنصرة طريقتهم والرد على خصومهم‪ ،‬والذب عن مواقفهم على مدار التاريخ‪ ،‬وهما‬ ‫‪3‬‬

‫اإلمامان اللذان أسسا مدرستين متوافقتين في األصول وأكثر الفروع‪ ،‬وإن لم يعرف‬ ‫عن واحد منهما أنه تالقى مع اآلخر‪ ،‬بل كانا في بلدين بعيدين عن بعضهما‪ ،‬ولكن‬ ‫ً‬ ‫توافقهما الذي عرفه العلماء من بعد معرفتهم بنتاج هذين اإلمامين‪ ،‬كان دليال على‬ ‫صواب نظرهما‪ ،‬واتباعهما قواعد األئمة العظام‪ ،‬وسيرهما على الطريق النظري‬ ‫الصحيح‪ .‬ولذلك اتبعهم أكثر العلماء من بعد‪ ،‬وانتسبوا إليهما عن رض ى ومعرفة وعلم‬ ‫بحقيقة آرائهما وما قرراه في كتبهم‪.‬‬ ‫ولم يكن اتباع األعالم العلماء لهذين اإلمامين ً‬ ‫تقليدا‪ ،‬وال محاباة وال مواطأة لهما‬ ‫ملجرد املحبة‪ ،‬وال بأثر من عوامل سياسية محضة‪ ،‬كما يحلو لكثير من املغرضين‬ ‫ً‬ ‫واملخالفين والعلمانيين وامللحدين في هذا الزمان أن يزعموا‪ ،‬حرصا على تنفير الناس‪.‬‬ ‫*****‬

‫‪4‬‬

‫تعريف موجزباملذهب األشعري‬ ‫أوال‪ :‬مؤسسه‬ ‫هو اإلمام أبو الحسن األشعري (‪324-260‬هـ)‪ ،‬وإليه ينسب أهل السنة‬ ‫والجماعة‪ ،‬حتى لقبوا باألشاعرة‪ .‬قال اإلمام املحقق ابن السبكي في ترجمة اإلمام أبي‬ ‫الحسن األشعري‪:‬‬ ‫"علي ابن إسماعيل بن أبي بشر واسمه إسحاق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد‬ ‫اللـه بن موس ى بن بالل بن أبي بردة ابن صاحب رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم أبي‬ ‫موس ى عبد اللـه بن قيس‪ .‬شيخنا وقدوتنا إلى اللـه تعالى الشيخ أبو الحسن األشعري‬ ‫البصري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة‪ ،‬وإمام املتكلمين‪ ،‬وناصر سنة سيد‬ ‫ً‬ ‫املرسلين والذاب عن الدين‪ ،‬والساعي في حفظ عقائد املسلمين‪ ،‬سعيا يبقى أثره إلى‬ ‫يوم يقوم الناس لرب العاملين‪ .‬وإمام حبر‪ ،‬وتقي بر‪ ،‬حمى جناب الشرع من الحديث‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املفترى‪ ،‬وقام في نصرة ملة اإلسالم فنصرها نصرا مؤزرا‪:‬‬ ‫بهمة في الثريا إثر أخمصها‬

‫وعزمة ليس من عاداتها السأم‬

‫وما برح يدلج ويسير‪ ،‬وينهض بساعد التشمير‪ ،‬حتى نقى الصدور من الشبه‪ ،‬كما‬ ‫ً‬ ‫ينقى الثوب األبيض من الدنس‪ ،‬وقال فلم يترك مقاال لقائل‪ ،‬وأزاح األباطيل‪ ،‬والحق‬ ‫يدفع ترهات الباطل‪ .‬ولد الشيخ سنة ستين ومائتين(‪.")1‬‬ ‫ثم ذكر اإلمام ابن السبكي أن اإلمام األشعري كان في بداية أمره قد أخذ عن أبي‬ ‫علي الجبائي‪ ،‬وتبعه في االعتزال‪ .‬وقد شكك القاض ي عياض في هذا األمر فقال‪" :‬ويروى‬ ‫ً‬ ‫أنه كان في بادية أمره معتزليا ثم رجع إلى هذا املذهب؛ أي إلى مذهب أهل السنة كما‬ ‫) ‪ (1‬انظر طبقات الشافعية الكبرى (‪ )347/3‬وما بعدها‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ً‬ ‫وضحه هو‪ ،‬وهذا إن ّ‬ ‫صح ال ينقصه‪ ،‬فقد كان من هو أفضل منه كافرا‪ ،‬ثم أسلم‪ ،‬بل‬ ‫هذا أدل على ثبات قدمه وصحة يقينه في التزام السنة‪ ،‬إذ لم يلتزمها ألنه نشأ عليها‪ ،‬وال‬ ‫اعتقدها إال بما نور اللـه لـه بها من قلبه وأيده بروحه ورشده‪ ،‬وتكنفه من عنايته‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ونصره‪ ،‬فذكر أبو عبد اللـه األزدي أنه كان أوال معتزليا أخذ عن الشحام والعطوي‪،‬‬ ‫وتقدم في ذلك على نظائره‪ ،‬ثم رجع إلى الحق‪ ،‬ومذهب أهل السنة‪ ،‬فكثر املتعجب‬ ‫منه(‪ .")1‬اهـ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ولم يبتدع اإلمام األشعري مذهبه ابتداعا‪ ،‬بل كان عملـه كما قلنا عبارة عن شرح‬ ‫وتدعيم ألقوال أهل السنة‪.‬‬ ‫قال القاض ي عياض في ترجمته‪" :‬وصنف ألهل السنة التصانيف‪ ،‬وأقام الحجج‬ ‫على إثبات السنة‪ ،‬وما نفاه أهل البدع من صفات اللـه تعالى ورؤيته وقدم كالمه‬ ‫وقدرته وأمور السمع الواردة من الصراط وامليزان والشفاعة والحوض وفتنة القبر مما‬ ‫نفت املعتزلة وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث‪ ،‬فأقام الحجج الواضحة‬ ‫عليها من الكتاب والسنة والدالئل الواضحة العقلية‪ ،‬ودفع شبه املبتدعة ومن بعدهم‬ ‫من امللحدة والرافضة‪ ،‬وصنف في ذلك التصانيف املبسوطة التي نفع اللـه بها األمة‪،‬‬ ‫وناظر املعتزلة‪ ،‬وكان يقصدهم بنفسه للمناظرة‪ ،‬وكلم في ذلك‪ ،‬فقيل لـه‪ :‬كيف تخالط‬ ‫ً‬ ‫أهل البدع وقد أمرت بهجرهم ‪-‬وكان أمرهم في ذلك الوقت شائعا وكلمتهم غالبة‪-‬‬ ‫فقال‪ُ :‬ه ْم أهل الرياسة‪ ،‬وفيهم الوالي والقاض ي‪ ،‬فهم لرياستهم ال ينزلون ّ‬ ‫إلي‪ ،‬فإن لم‬ ‫َنس ْرإليهم فكيف يظهر ُّ‬ ‫الحق ويعلم أن ألهلـه ناصرا بالحجة(‪)2‬؟‬ ‫ِ‬ ‫‪ .....‬فلما كثرت تواليفه وانتفع بقولـه‪ ،‬وظهر ألهل الحديث والفقه ذبه عن السنن‬ ‫والدين‪ ،‬تعلق بكتبه أهل السنة وأخذوا عنه ودرسوا عليه وتفقهوا في طريقه‪ ،‬وكثر‬ ‫طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة‪ ،‬وبسط الحجج واألدلة في نصر‬ ‫) ‪ (1‬ترتيب املدارك في أعالم مذهب اإلمام مالك (‪.)27/5‬‬ ‫) ‪ (2‬وهذه كلمة حقيقة أن تكتب بماء الذهب لتكون نبراسا وعبرة وقاعدة للعاملين‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫امللة‪ ،‬فسموا باسمه‪ ،‬وتالهم أتباعهم وطلبتهم فعرفوا بذلك‪ ،‬وإنما كانوا يعرفون قبل‬ ‫ْ‬ ‫ذلك باملثبتة‪ ،‬سمة عرفتهم بها املعتزلة‪ ،‬إذ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فبهذه السمة أوال كان يعرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث كاملحاسبي و‬ ‫ابن كالب وعبد العزيز بن عبد امللك املكي والكرابيس ي‪ ،‬إلى أن جاء أبو الحسن وأشهر‬ ‫نفسه فنسب طلبته واملتفقهة عليه في علمه بنسبه‪ ،‬كما نسب أصحاب الشافعي إلى‬ ‫نسبه‪ ،‬وأصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهم من األئمة إلى أسماء أئمتهم الذين درسوا‬ ‫ُ‬ ‫كتبهم وتفقهوا بطرقهم في الشريعة‪ ،‬وهم لم ُي ْح ِدثوا فيها ما ليس منها‪ .‬فكذلك أبو‬ ‫الحسن‪.‬‬ ‫فأهل املشرق واملغرب بحججه يحتجون وعلى منهاجه يذهبون‪ ،‬وقد أثنى عليه‬ ‫خلق كثير منهم‪ ،‬وأثنوا على مذهبه وطريقه‪.‬‬ ‫‪ ....‬ونظار أهل الحديث راضون عنه مقتبسون منه‪ ،‬وقد درس عليه وعلى‬ ‫أصحابه منهم جماعة حتى صاروا أئمة في طريقه وصنفوا الكتب على نهج طريقته‬ ‫وتصانيفه(‪.")1‬‬ ‫وقال اإلمام تاج الدين السبكي‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫"اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأيا‪ ،‬ولم ينش مذهبا‪ ،‬وإنما هو مقرر ملذاهب‬ ‫السلف‪ ،‬مناضل عما كانت عليه أصحاب رسول ‪ ،‬فاالنتساب إليه إنما هو باعتبار‬ ‫ً‬ ‫أنه عقد على طريق السلف نطاقا‪ ،‬وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه‪ ،‬فصار‬ ‫ً‬ ‫املقتدي به في ذلك السالك سبيلـه في الدالئل يسمى أشعريا‪ ،‬ولقد قلت مرة للشيخ‬ ‫اإلمام رحمه اللـه ـ يقصد والده اإلمام املجتهد تقي الدين السبكي ـ ‪ :‬أنا أعجب من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الحافظ ابن عساكر في عده طوائف من أتباع الشيخ‪ ،‬ولم يذكر إال نزرا يسيرا‪ ،‬وعددا‬ ‫) ‪ (1‬ترتيب املدارك‪.)24/5( ،‬‬ ‫‪7‬‬

‫قليال‪ ،‬ولو وفى االستيعاب حقه الستوعب غالب علماء املذاهب األربعة‪ ،‬فإنهم برأي أبي‬ ‫الحسن يدينون اللـه تعالى‪ ،‬فقال‪ :‬إنما ذكر من اشتهر باملناضلة عن أبي الحسن‪ ،‬وإال‬ ‫فاألمرعلى ما ذكرت من أن غالب علماء املذاهب معه‪.‬‬ ‫وقد ذكر الشيخ شيخ اإلسالم عز الدين بن عبد السالم أن عقيدته اجتمع‬ ‫عليها الشافعية واملالكية والحنفية وفضالء الحنابلة‪ ،‬ووافقه على ذلك من أهل عصره‬ ‫شيخ املالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب‪ ،‬وشيخ الحنفية جمال الدين‬ ‫الحصيري"(‪.)1‬‬ ‫وقال في موضع أخر‪ " :‬قال املآيرقي‪ :‬ولم يكن أبو الحسن أول متكلم بلسان‬ ‫أهل السنة إنما جرى على سنن غيره‪ ،‬وعلى نصرة مذهب معروف‪ ،‬فزاد املذهب حجة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبيانا ولم يبتدع مقالة اخترعها وال مذهبا انفرد به‪ ،‬أال ترى أن مذهب أهل املدينة‬ ‫نسب إلى مالك‪ ،‬ومن كان على مذهب أهل املدينة يقال لـه مالكي‪ ،‬ومالك إنما جرى على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫سنن من كان قبلـه وكان كثير االتباع لـهم‪ ،‬إال أنه ملا زاد املذهب بيانا وبسطا عزي إليه‪،‬‬ ‫كذلك أبو الحسن األشعري‪ ،‬ال فرق‪ ،‬ليس لـه في مذهب السلف أكثر من بسطه‬ ‫وشرحه وتواليفه في نصرته‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إلى أن يقول القابس ي‪ :‬وما أبو الحسن إال واحدا من جملة القائمين في نصرة‬ ‫الحق‪ ،‬ما سمعنا من أهل اإلنصاف من يؤخره عن رتبة ذلك‪ ،‬وال من يؤثر عليه في‬ ‫عصره غيره‪ ،‬ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيلـه‪.‬‬ ‫إلى أن قال‪ :‬لقد مات األشعري يوم مات‪ ،‬وأهل السنة باكون عليه‪ ،‬وأهل‬ ‫البدع مستريحون منه(‪.")2‬‬

‫) ‪ (1‬طبقات الشافعية الكبرى (‪.)365/3‬‬ ‫) ‪ (2‬طبقات الشافعية الكبرى(‪)367/3‬‬ ‫‪8‬‬

‫ما يقال عن تراجعه عن األشعرية‪:‬‬ ‫والتحقيق أن كتابته لكتاب اإلبانة كان في أوائل رجعته من املعتزلة كما ذكره‬ ‫اإلمام الكوثري‪ ،‬وليس من أواخر مصنفاته‪ ،‬وكان يخاطب به بعض الحنابلة الظاهرية‬ ‫يريد بذلك إرشادهم إلى املذهب الحق‪ ،‬وإرجاعهم عن ظاهريتهم التي قد تؤول بهم إلى‬ ‫التشبيه‪ .‬على أن ما بين أيدينا من النسخ من هذا الكتاب كلها قد تالعبت بها األيدي‪،‬‬ ‫حتى لم يعد باإلمكان الثقة بها‪،‬وفي الكتاب شواهد على نفي التجسيم والتحديد‬ ‫ً‬ ‫واألعضاء واألركان‪ ،‬وفيه استدالالت ضعيفة أيضا يبعد أن تكون صدرت من اإلمام‬ ‫األشعري‪.‬‬ ‫فيكون اإلمام بعد تراجعه عن االعتزال قد أقام على مذهب أهل الحق يقيمه‬ ‫ويبني أركانه ويناظر املخالفين‪ ،‬وما يزعم من رجوعه إلى مذهب املشبهة مجرد كالم ال‬ ‫دليل عليه‪.‬‬ ‫وها هي كتبه التي بقيت بين أيدينا‪ ،‬تشهد بأنه لم يكن يميل إلى تجسيم وال‬ ‫تشبيه‪ ،‬خصوصا كتاب اللمع ومذاهب اإلسالميين‪ ،‬وما نقله عنه األكابر من العلوم‬ ‫واملعارف يؤكد ذلك‪ ،‬ومن ذلك الكتاب الذي لخص فيه ابن فورك معارف اإلمام‬ ‫األشعري (مجرد مقاالت األشعري) اعتمد فيه على كتبه التي كانت بين يدي ابن فورك‪،‬‬ ‫وجمع بين أقواله وكلماته املفرقة عن أصول معتمدة‪ ،‬وهو كتاب معتمد يرجع إليه‬ ‫أكابر العلماء من املوافقين واملخالفين لألشعري‪ ،‬وكله تنزيه ومعارف تدل على علو‬ ‫كعب هذا اإلمام‪ ،‬فال يلتفت إلى ما يزعمه بعض الناس مما يناقض ذلك‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫من أبرز تالمذة األشعري‪:‬‬ ‫‪-1‬أبو عبد هللا بن مجاهد‪ ،‬وعليه درس اإلمام الباقالني أبو بكر محمد بن‬ ‫الطيب‪ .‬قال ابن عساكر‪ :‬وله كتب حسان في األصول وذكر لنا غير واحد من شيوخنا‬ ‫عنه إنه كان حسن السيرة حسن التدين جميل الطريقة‪.‬‬ ‫‪-2‬أبو الحسن الباهلي‪ :‬كان القاض ي أبو بكر بن الباقالني رحمه هللا قال كنت أنا‬ ‫واألستاذ أبو إسحق االسفرايني واألستاذ ابن فورك رحمهما هللا معا في درس الشيخ أبي‬ ‫الحسن الباهلي‪ ،‬تلميذ الشيخ أبي الحسن األشعري‪.‬‬ ‫قال القاض ي أبو بكر كان الشيخ الباهلي يدرس لنا في كل جمعة مرة واحدة‪،‬‬ ‫وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه كي ال نراه‪ ،‬قال‪ :‬وكان من شدة اشتغاله باهلل‬ ‫تعالى مثل واله أو مجنون‪ ،‬لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وكنا نسأل عن سبب النقاب وإرسال الحجاب بينه وبين هؤالء الثالثة‬ ‫كاحتجابه عن الكل فأجاب إنكم ترون السوقة وهم أهل الغفلة فتروني بالعين التي‬ ‫ترونهم‪.‬‬ ‫وكان األستاذ أبا إسحق رحمه هللا يقول‪ :‬كنت في جنب الشيخ أبي الحسن‬ ‫الباهلي كقطرة في البحر وسمعت الشيخ أبا الحسن الباهلي قال‪ :‬كنت أنا في جنب‬ ‫الشيخ األشعري كقطرة في جنب البحر"‪.‬‬ ‫‪ -3‬ومنهم أبو الحسين بندار بن الحسين بن محمد بن املهلب الشيرازي الصوفي‬ ‫خادم أبي الحسن رحمهما هللا‪ .‬وكان بندار من أصحاب الشبلي‪.‬‬ ‫وكان من أهل شيراز سكن أرجان‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وكان عاملا باألصول‪ ،‬له اللسان املشهور في علم الحقيقة‪ ،‬كان الشبلي يكرمه‬ ‫ويقدمه‪.‬‬ ‫وبينه وبين محمد بن خفيف مفاوضات في مسائل رد على محمد بن خفيف في‬ ‫مسألة اإليمان وغيرها‪ ،‬حين رد محمد بن خفيف على أقاويل املشايخ (الصوفية)‪،‬‬ ‫فصوب بندار أقاويل املشايخ ورد عليه ما رد عليهم‪.‬‬ ‫توفي بندار سنة ثالث وخمسين وثالثمائة‪ ،‬وغسله أبو زرعة الطبري‪.‬‬ ‫‪ -4‬ومنهم أبو سهل الصعلوكي النيسابوري رحمه هللا‪ .‬توفي سنة تسع وستين‬ ‫وثالثمائ ة‪ ،‬وكان فقيها أديبا شاعرا متكلما صوفيا كاتبا وعنه أخذ ابنه أبو الطيب‬ ‫وفقهاء نيسابور‪.‬‬ ‫‪ -5‬ومنهم أبو زيد محمد بن أحمد املرزوي رحمه هللا‪ .‬ذكر أبو بكر بن فورك أنه‬ ‫ممن استفاد من أبي الحسن األشعري من أهل خراسان‪.‬‬ ‫مات بمرو في رجب سنة إحدى وسبعين وثالثمائة‪.‬‬ ‫وكان حافظا للمذهب حسن النظر مشهورا بالزهد‪ .‬وعنه أخذ أبو بكر القفال‬ ‫املرزوي وفقهاء مرو‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪ -6‬ومنهم أبو عبد هللا بن خفيف الشيرازي الصوفي رحمه هللا‪ .‬صحب رويما‬ ‫والجريري وأبا العباس بن عطاء‪ ،‬ولقي الحسين بن منصور وهو من أعلم املشايخ‪ ،‬كان‬ ‫بعلوم الظاهر متمسكا بعلوم الشريعة من الكتاب والسنة‪ ،‬وهو فقيه على مذهب‬ ‫الشافعي‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -7‬ومنهم أبو بكر الجرجاني املعروف باالسماعيلي رحمه هللا‪ .‬توفي يوم السبت‬ ‫غرة رجب سنة إحدى وسبعين وثالثمائة وكان له أربع وتسعون سنة‪ .‬وله تخريج على‬ ‫كتاب محمد بن إسماعيل البخاري‪.‬‬ ‫مات سنة نيف وسبعين وثالثمائة وجمع بين الفقه والحديث ورياسة الدين‬ ‫والدنيا‪ ،‬وصنف الصحيح وأخذ عنه إبنه أبو سعد وفقهاء جرجان‪.‬‬ ‫وقال القاض ي اإلمام أبو الطيب الطبري رحمه هللا‪ :‬دخلت جرجان قاصدا إليه‬ ‫وهو حي فمات قبل أن ألقاه‪.‬‬ ‫جمع بين األصول والفقه والحديث‪ ،‬وصنف صحيحا على شرط البخاري يدل‬ ‫على فضل كثير ملن وقف عليه‪.‬‬ ‫‪ -8‬ومنهم أبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن اسحق الطبري املعروف بالدمل‬ ‫رحمه هللا‪ .‬كان من أعيان أصحاب أبي الحسن وممن تخرج به وخرج إلى الشام ونشر‬ ‫بها مذهبه‪.‬‬ ‫وكتب عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري كتابه في التفسير وسمعه منه‪.‬‬ ‫وله قديما على تأليف في األصول يدل على فضل كثير وعلم غزير سماه (كتاب‬ ‫رياضة املبتدي وبصيرة املستهدي)‪.‬‬ ‫‪-9‬ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري‪ .‬صحب أبا الحسن رحمه‬ ‫هللا بالبصرة مدة‪ ،‬وأخذ عنه وتخرج به واقتبس منه وصنف تصانيف عدة تدل على‬ ‫علم واسع وفضل بارع‪ ،‬وهو الذي ألف الكتاب املشهور في تأويل األحاديث املشكالت‬ ‫الواردة في الصفات‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -10‬ومنهم أبو جعفر السلمى البغدادى النقاش رحمه هللا‪ .‬وذكر ابن عساكر أن‬ ‫األزهري سئل عن أبي جعفر النقاش فقال ثقة‪ .‬قال‪ :‬وكان أحد املتكلمين على مذهب‬ ‫األشعري‪ ،‬ومنه تعلم أبو علي بن شاذان الكالم‪.‬‬ ‫ولد أبو جعفر النقاش للنصف من حمادي األولى سنة أربع وتسعين ومائتين‪.‬‬ ‫وتوفي سنة تسع وسبعين وثالثمائة يوم األحد أو اإلثنين‪ ،‬لست خلون من املحرم وكان‬ ‫ثقة‪.‬‬ ‫‪-11‬ومنهم أبو عبد هللا األصبهاني املعروف بالشافعي‪ .‬وهو‪ :‬محمد بن القاسم أبو‬ ‫عبد هللا الشافعي متكلم على مذهب أهل السنة‪ ،‬ينتحل مذهب أبي الحسن األشعري‪.‬‬ ‫عاد إلى أصبهان سنة ثالث وخمسين وثالثمائة وتوفي بها في ربيع األول يوم الجمعة‬ ‫الثنتي عشرة خلت منه سنة إحدى وثمانين وثالثمائة‪.‬‬ ‫سمع الكثير بالعراق كثير املصنفات في األصول والفقه واألحكام‪.‬‬ ‫‪-12‬ومنهم أبو محمد القرش ي الزهري رحمه هللا‪ .‬قال ابن عساكر‪ :‬قال عبد‬ ‫الواحد بن أحمد ابن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن الزهري أبو محمد املذكور من‬ ‫ولد عبد الرحمن بن عوف وهو ابن أبي الفضل املتكلم األشعري‪ ،‬سمع أبا حامد ابن‬ ‫بالل‪ ،‬وأبا بكر القطان وأقرانهما‪ ،‬وسمع معنا الكثير‪ ،‬وكان يصوم الدهر ويختم القرآن‬ ‫في كل يومين‪.‬‬ ‫توفي الزهري رحمه هللا بنيسابور‪ ،‬غداة الخميس الثامن عشر من شهر ربيع‬ ‫األول سنة اثنتين وثمانين وثالثمائة‪.‬‬ ‫‪-13‬ومنهم أبو بكر البخاري املعروف باألودني الفقيه رحمه هللا‪ .‬وهو‪ :‬محمد بن‬ ‫عبد هللا بن محمد الفقيه أبو بكر البخاري ثم األودني إمام الشافعيين بما وراء النهر في‬ ‫عصره بال مدافعة‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫قدم نيسابور سنة خمس وستين وحج ثم انصرف فأقام عندنا مدة في سنة ست‬ ‫وستين‪.‬‬ ‫وكان من أزهد الفقهاء وأورعهم‪ ،‬وأكثرهم اجتهادا في العبادة وأبكاهم على‬ ‫تقصيره وأشدهم تواضعا وإخباتا وإنابة‪.‬‬ ‫وتوفي الفقيه أبو بكر األودني رحمه هللا ببخارى سنة خمس وثمانين وثالثمائة‪.‬‬ ‫‪-14‬ومنهم أبو منصور بن حمشاد النيسابوري رحمه هللا‪ .‬وهو‪ :‬محمد بن عبد‬ ‫هللا بن حمشاد أبو منصور األديب الزاهد من العباد العلماء املجتهدين‪.‬‬ ‫درس األدب على أبي عمر الزردي وأبي حامد الخارزنجي وأبي عمر الزاهد‬ ‫وأقرانهم‪ ،‬والفقه بخراسان على أبي الوليد‪ ،‬وبالعراق على أبي علي بن أبي هريرة‪،‬‬ ‫والكالم على أبي سهل الخليطي‪ ،‬واملعاني على أبي بكر بن عبدوس‪ .‬ونظرائه وسمع‬ ‫بخراسان أبا حامد بن بالل البزاز وأبا بكر محمد بن الحسين القطان وأقرانهما‬ ‫وبالعراق على الصفار وأبا جعفر الرزاز وأقرانهما و بالحجاز أبا سعيد بن األعرابي‬ ‫وأقرانه ودخل اليمن فأدرك بها األسانيد العالية‪.‬‬ ‫وكان من املجتهدين في العبادة الزاهدين في الدنيا تجنب مخالطة السالطين‬ ‫وأولياءهم إلى أن خرج من دار الدنيا وهو مالزم ملسجده ومدرسته قد اقتصر من بقية‬ ‫أوقاف لسلفه عليه على قوت يوم بيوم تخرج به جماعة من العلماء الواعظين‪.‬‬ ‫وظهر له من مصنفاته أكثر من ثالثماية كتاب مصنف‪.‬‬ ‫توفي رحمه هللا وقت الصبح يوم الجمعة الرابع والعشرين من رجب سنة ثمان‬ ‫وثالثمائة‪ ،‬وكان مولده سنة عشرة وثالثماية‪ ،‬فمات وهو ابن اثنتين وسبعين سنة‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -15‬ومنهم الشيخ أبو الحسين بن سمعون البغدادي املذكر رحمه هللا‪ .‬كنيته أبو‬ ‫الحسين من مشايخ البغداديين له لسان عال في هذه العلوم يعني علوم أهل التصوف‪،‬‬ ‫ال ينتمي إلى أستاذ‪ ،‬وهو لسان الوقت واملرجوع إليه في آداب الظاهر‪ ،‬يذهب إلى أسد‬ ‫املذاهب‪ ،‬وهو إمام املتكلمين على هذا اللسان في الوقت‪.‬‬ ‫توفي سنة سبع وثمانين وثالثمائة‪.‬‬ ‫‪ -16‬ومنهم أبو عبد الرحمن الشروطي الجرجاني‪ .‬كان متكلما على مذهب السنة‬ ‫وعاملا بالشروط وبالطب‪ ،‬وكتب الحديث عن أبي يعقوب النحوي ومن في طبقته توفي‬ ‫سنة تسع وثمانين وثالثمائة‪.‬‬ ‫‪-17‬ومنهم أبو علي الفقيه السرخس ى رحمه هللا‪ .‬زاهر بن أحمد بن محمد بن‬ ‫عيس ى السرخس ي أبو علي املقري الفقيه املحدث شيخ عصره بخراسان‪ .‬وانصرف إلى‬ ‫نيسابور سنة ثمان وثالثين وثالثمائة واملشايخ متوافرون‪ ،‬فأقام سنة يحضر مجالس‬ ‫املشايخ‪ ،‬وجرت له مناظرة إذ ذاك في مجلس اإلمام أبي بكر أحمد بن اسحق وغيره‪.‬‬ ‫وقد كان قرأ القرآن على أبي بكر بن مجاهد وتفقه عند أبي اسحق املرزوي‬ ‫ودرس األدب على أبي بكر بن األنباري ومحمد بن يحيى الصولي وأقرانهما‪.‬‬ ‫توفي يوم األربعاء سلخ ربيع اآلخر من سنة تسع وثمانين وثالثمائة‪ ،‬وهو ابن ست‬ ‫وتسعين سنة‪.‬‬ ‫من أبرز أئمة املذهب‪:‬‬ ‫ظهر في املذهب األشعري علماء جهابذة في كل العلوم والفنون العقلية والنقلية‪،‬‬ ‫واستقصاء ذكرهم واإلحاطة بهم ال يمكن هنا‪ ،‬ولكن نذكر بعض أهم أعالمهم‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪-1‬القاض ي أبو بكر الباقالني (‪403-328‬هـ) (‪1013-950‬م)‪ ،‬وهو محمد بن‬ ‫الطيب‪ ،‬من كبار علماء األشاعرة‪ ،‬هذب أصول املذهب‪ ،‬ورد على الخصوم‪ ،‬وأيده‬ ‫بالحجج‪ ،‬وله مناظرات مع أهل األديان األخرى‪ ،‬وتآليف رائقة عظيمة النفع‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫االنتصار للقرآن‪ ،‬تمهيد األوائل وتلخيص الدالئل‪ ،‬اإلنصاف‪ ،‬مناقب األئمة‪ ،‬إعجاز‬ ‫القرآن‪ ،‬وغيرها كثير‪.‬‬ ‫‪-2‬أبو إسحق اإلسفراييني(‪418‬هـ)‪1027‬م)‪ ،‬هو إبراهيم بن محمد‪ ،‬كان عاملا‬ ‫بالفقه واألصول‪ ،‬له كتاب الجامع في أصول الدين والرد على امللحدين‪.‬‬ ‫‪-3‬إمام الحرمين أبو املعالي الجويني (‪478-419‬هـ)‪1085-1028‬م)‪ ،‬هو عبد‬ ‫امللك بن عبدهللا بن يوسف الجويني‪ ،‬الفقيه الشافعي الشهير‪ ،‬الذي يعول عليه أكثر‬ ‫أصحاب الشافعي في كتبهم‪ ،‬كان يدرس ويعليم في نيسابور‪ ،‬وتعرض لفتنة اخترعها‬ ‫املجسمة مع الشيعة واملعتزلة‪ ،‬اضطر على إثرها أن يخرج من نيسابور‪ ،‬وجاور في مكة‬ ‫واملدينة‪ ،‬وبقي في مكة أربع سنوات‪ ،‬يدرس ويدافع عن األشعرية من غير مدافع يقف‬ ‫أمامه‪ ،‬حتى رجع األمر إلى الصواب فرجع إلى نيسابور بعدما أعاد الوزير نظام امللك‬ ‫األمور إلى نصابها‪ .‬له كتب في مختلف العلوم‪ ،‬تعتبر من أعظم ما ألف فيها‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫البرهان في أصول الفقه‪ ،‬وهو أحد أربعة كتب تعتبر أعظم كتب األصول‪ ،‬وكتاب‬ ‫اإلرشاد إلى قواطع األدلة‪ ،‬والشامل في أصول الدين‪ ،‬في علم التوحيد والكالم‪،‬‬ ‫والنظامية في األركان اإلسالمية‪ ،‬وصلنا منها قسم العقيدة‪ ،‬وقد ألفها للوزير نظام‬ ‫امللك‪ ،‬وله كتاب نهاية املطلب في دراية املذهب‪ ،‬في فقه الشافعي يعد من أعظم ما ألف‬ ‫في املذهب الشافعي‪ ،‬وعليه مدار كتب الشافعية من بعده‪.‬‬ ‫‪-4‬أبو إسحق الشيرازي (‪476-393‬هـ) (‪1083-1003‬م)‪ ،‬هو إبراهيم بن علي بن‬ ‫يوسف الفيروزآباذي الشيرازي‪ ،‬العالم املناظر‪ ،‬كان فقيها مجيدا‪ ،‬كان حسن‬ ‫ً‬ ‫املجالسة‪ ،‬طلق الوجه‪ ،‬فصيحا‪ ،‬مناظرا‪ .‬من مصنفاته‪ :‬التنبيه في أصول الفقه‬ ‫وشرحه‪ ،‬املهذب في الفقه‪ ،‬التبصرة في أصول الشافعية‪ ،‬املعونة في الجدل‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫‪-5‬أبو حامد الغزالي (‪505-450‬هـ) ‪1111-1058‬م)‪ ،‬وهو محمد بن محمد بن‬ ‫محمد الغزالي الطوس ي‪ ،‬حجة اإلسالم‪ ،‬وقد كان تلميذا لإلمام الجويني‪ ،‬وشهرته تغني‬ ‫عن الكالم عنه‪ ،‬من كتبه‪ :‬إحياء علوم الدين‪ ،‬واالقتصاد في االعتقاد‪ ،‬واملستصفى في‬ ‫أصول الفقه‪ ،‬ومجموعة كبيرة من الرسائل في مختلف العلوم واملعارف‪ ،‬وله كتاب‬ ‫تهافت الفالسفة‪ ،‬وفضائح الباطنية‪ ،‬وغيرها كثير‪.‬‬ ‫‪-6‬اإلمام فخر الدين الرازي (‪606-544‬هـ) ( ‪1210-1150‬م)‪ ،‬أبو عبد هللا محمد‬ ‫بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني‪ ،‬وهو من أعلم الناس بالكالم‬ ‫والفلسفة واملنطق‪ ،‬رد على الفالسفة واملخالفين من أهل امللل والنحل‪ ،‬وله مناظرات‬ ‫كثيرة‪ ،‬وترك مؤلفات ما زال يعتمد عليها في العلوم‪ ،‬منها التفسير الكبير الذي لم يؤلف‬ ‫مثله في بابه‪ ،‬وعليه اعتمد كثير من املفسرين املتأخرين‪ ،‬ومنها كتاب املحصول في‬ ‫أصول الفقه‪ ،‬من أعظم ما ألف في أصول الفقه‪ ،‬واألربعين في أصول الدين‪ ،‬ومعالم‬ ‫أصول الدين‪ ،‬ونهاية العقول في دراية األصول‪ ،‬واملحصل في أصول الدين‪ ،‬كلها في علم‬ ‫التوحيد‪ ،‬وله كتب غيرها تركناها خوف اإلطالة‪.‬‬ ‫أعالم آخرون‪ :‬ومن أعالم األمة في علم التوحيد ابن فورك والقشيري‬ ‫والبيضاوي وابن الحاجب والعضد اإليجي والتفتازاني والسيد الشريف‪ ،‬ومنهم أعالم‬ ‫بالد املغرب مثل اإلمام السجلماس ي وابن التلمساني وأبي عثمان العقباني‪ .‬ومن أهل‬ ‫املشرق ومصر ابن الحاجب واإلمام العز بن عبد السالم‪ ،‬والشيخ زكريا األنصاري‬ ‫وتالمذته وقد مألوا الدنيا‪ ،‬وإمام الدنيا اإلمام الرازي وطالبه كالكاتبي واألبهري وأتباع‬ ‫مدرسته وهم كثيرون منتشرون في اآلفاق‪ ،‬واإلمام سيف الدين اآلمدي‪ ،‬وابن دقيق‬ ‫العيد‪ ،‬وشهاب الدين القرافي‪ ،‬والتقي السبكي والتاج السبكي‪ ،‬واألصفهاني‪ ،‬ومن‬ ‫األعالم املشهورين مثل اإلمام السنوس ي صاحب العقائد الشهيرة‪ ،‬واإلمام اللقاني‬ ‫صاحب جوهرة التوحيد‪ ،‬وشراحهما‪ ،‬وهم كثيرون‪ ،‬فضالء مدققون كجالل الدين‬ ‫الدواني صاحب الشرح الشهير على العقائد العضدية‪ ،‬والخيالي عبد الحكيم والعصام‬ ‫‪17‬‬

‫والفرهاري أصحاب الحواش ي والشروح الشهيرة على شرح العقائد النسفية‪ .‬والبدر‬ ‫الزركش ي والسيوطي‪ ،‬والبيجوري والدسوقي‪.‬‬ ‫*****‬ ‫ثانيا‪ :‬ترجمة موجزة لإلمام املاتريدي‬ ‫اإلمام أبو منصور املاتريدي‪ ،‬توفي سنة ‪333‬هـ‪ ،‬وماتريد نسبة إلى قرية من قرى‬ ‫سمرقند في بالد ما واء نهر جيحون‪ ،‬ويلقب بـ(علم الهدى) لجهوده في الدفاع عن أهل‬ ‫السنة‪.‬‬ ‫أخذ العلم عن‪:‬‬ ‫أبي بكر أحمد ابن إسحاق الجوزجاني‪ ،‬وهو تلميذ ألبي يوسف محمد بن‬‫الحسن الشيباني‪.‬‬ ‫وأبي نصر أحمد العياض ي‪ ،‬ونصير بن يحيى وهو أحد رواة كتاب الفقه األكبر‬‫والفقه األبسط ألبي حنيفة النعمان‪.‬‬ ‫ومحمد بن مقاتل قاض ي الري‪ ،‬وهو أحد شيوخ الجوزجاني السابق‪.‬‬‫وقد قال العالمة مصطلح الدين القسطالني الكستلي(‪902‬هـ) في حاشيته على‬ ‫شرح العقائد النسفية ص‪" :17‬املشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق‬ ‫والشام وأكثر األقطار هم األشاعرة‪ ،‬أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سالم‬ ‫بن عبد هللا بن بالل أبي بردة بن أبي موس ى األشعري صاحب رسول هللا عليه السالم‪،‬‬ ‫أول من خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة‪ ،‬أي طريق النبي عليه‬ ‫السالم‪ ،‬والجماعة‪ ،‬أي طريقة الصحابة‪ ،‬وفي ديار ما وراء النهر املاتريدية أصحاب أبي‬ ‫‪18‬‬

‫منصور املاتريدية تلميذ أبي نصر العياض ي تلميذ أبي بكر الجرجاني صاحب أبي‬ ‫سليمان الجرجاني تلميذ محمد بن الحسن الشيباني من أصحاب اإلمام أبي حنيفة"‪.‬‬ ‫ومن تالمذة املاتريدي‪:‬‬ ‫أبو القاسم إسحاق بن محمد السمرقندي (ت‪340‬هـ)‪ ،‬واإلمام أبو الليث‬ ‫البخاري‪ ،‬واإلمام أبو محمد عبد الكريم بن موس ى البزدوي جد محمد بن محمد بن‬ ‫الحسين بن عبد الكريم البزدوي مؤلف كتاب أصول الدين‪.‬‬ ‫ومن أعالم املذهب املاتريدي‪:‬‬ ‫‪-1‬القاض ي أبو اليسر البزدوي (‪478-412‬هـ)‪ .‬صاحب كتاب أصول الدين‪.‬‬ ‫‪-2‬أبو املعين النسفي (ت ‪502‬هـ)‪ .‬وهو مؤلف كتاب تبصرة اأدلة‪.‬‬ ‫‪-3‬نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد (ت ‪537‬هـ) وهو صاحب عقائد‬ ‫النسفي‪ ،‬أخذه من كتاب تبصرة األدلة‪.‬‬ ‫ومنهم‪ :‬اإلمام ابن الهمام‪ ،‬والسمرقندي صاحب الصحائف‪ ،‬وخضر بك صاحب‬ ‫النونية الشهيرة التي لخص فيها مقاصد شرح السعد على النسفية‪ ،‬واإلمام نور الدين‬ ‫الصابوني صاحب كتاب الكفاية في الهداية‪ ،‬والبداية في علم الكالم معاصر الرازي‪.‬‬ ‫والعالمة البياض ي صاحب كتاب إشارات املرام من عبارات اإلمام‪.‬‬ ‫ً‬ ‫واتصلت جهود أهل الحق في الدنيا شرقا وغربا حتى أيامنا هذه‪ ،‬فمن األعالم‬ ‫الذين أثروا بأعمالهم في هذا املجال الشيخ مصطفى صبري واإلمام محمد زاهد‬ ‫الكوثري اللذين كان لهم أثر عظيم في املشتغلين بعلم التوحيد وغيره من العلوم في هذا‬ ‫العصر‪ ،‬ال نزال نتعطر بذكرهم ونستفيد من عبق طيبهم‪ .‬وتالمذتهم منتشرون في‬ ‫البالد‪ ،‬مفيدين ومستفيدين عاملين حاملين هذه الوظيفة العالية على أكتافهم‪،‬‬ ‫‪19‬‬

‫حافظين إياها في أرواحهم‪ .‬ومنهم الشيخ محمد بخيت املطيعي‪ ،‬مع ما له من بعض‬ ‫تفردات‪ ،‬والشيخ يوسف الدجوي‪ ،‬وكثير من الشيوخ الذين كانوا في القرن الهجري‬ ‫املاض ي حتى هذا العصر الذي نحن فيه‪..‬‬ ‫*****‬

‫‪20‬‬

‫ثالثا‪ :‬خالصة عقائد األشاعرة واملاتريدية (أهل السنة والجماعة)‬ ‫يمكن تلخيص أهم معاقد العقائد عند أهل السنة على النحو اآلتي‪:‬‬ ‫إنهم يؤمنون بأن هللا تعالى واحد ال إله غيره‪ ،‬وأنه منزه عن الجسمية ومشابهة‬ ‫الحوادث‪ ،‬وأن صفاته الوجودية كلها قديمة‪ ،‬فإنه ال يتصف بصفة وجودية حادثة‪،‬‬ ‫ولذلك فإنهم يقومون بتأويل كل خبر أوهم خالف ذلك أو تفويضه‪ ،‬وال يحملون املعاني‬ ‫على ما هو ثابت للبشر لتأدية ذلك إلى املحظور من تشبيه أو تمثيل‪ ،‬وكل صفاته‬ ‫كماالت ال نقص فيها بوجه من الوجوه‪ ،‬وأنه ال يتصف بالصفات الحادثة القائمة‬ ‫بذاته‪ ،‬وال يكتسب من خلقه للخلق كمال‪ ،‬فهو بصفاته بعدهم كما كان قبلهم‪.‬‬ ‫وأنه متكلم بكالم نفس ي قديم غير حادث‪ ،‬وأنه يراه املؤمنون من خلقه يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬بال حيز وال حد وال جهة له في نفسه‪ ،‬كما يعلمونه ً‬ ‫منزها عن ذلك‪ ،‬وأنه تعالى‬ ‫متصف بالقدرة املطلقة‪ ،‬وأنه فعال ملا يريد‪ ،‬ال يفعل بالعلة وال بالطبيعة‪.‬‬ ‫وأن هللا تعالى خالق أفعال العباد وموجدها من العدم إلى الوجود‪ ،‬وأنهم‬ ‫مكتسبوها غير مجبورين عليها‪ ،‬بل مختارون لها مكلفون بناء على هذا الكسب القائم‬ ‫بهم‪.‬‬ ‫وأن العالم حادث ألنه من فعل هللا تعالى فعله بإرادته واختياره‪ ،‬وأن هللا تعالى‬ ‫اختار أن ينزل رساالته إلى البشر‪ ،‬وليس ذلك ً‬ ‫واجبا عليه‪.‬‬ ‫وأن األنبياء عليهم الصالة والسالم صادقون ال يكذبون على هللا تعالى‪ ،‬مؤيدون‬ ‫باملعجزات الدالة على صدقهم فيما يبلغون عن هللا تعالى‪ ،‬وأنهم أمناء على الشريعة‪،‬‬ ‫ال يخونون هللا تعالى بقول وال فعل‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫وأن هللا تعالى يثيب ويعاقب بإرادته‪ ،‬ليس ذلك بواجب عليه‪ ،‬بل كل أفعال هللا‬ ‫تعالى بإرادته واختياره ليس ش يء منها بواجب عليه جل شأنه‪.‬‬ ‫وأن اليوم اآلخر حق‪ ،‬والبعث وجميع ما أخبر به النبي الصادق املصدوق ‪‬‬ ‫حق‪ ،‬وأن جميع البشر بعد ظهور بعثة النبي مكلفون باتباع شريعته‪ ،‬وهذا من تمام‬ ‫كونه خاتم النبوة‪.‬‬ ‫وأن األصل في أحوال القيامة التصديق بها على ظاهر ما أخبر به النبي ‪ ‬إذا ال‬ ‫موجب لتأويلها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وال يكفر أهل السنة أحدا من أهل القبلة بذنب‪ ،‬وال يخرجون أحدا من اإليمان‬ ‫إال بنقض ما أدخله فيه‪ ،‬وكان من آخر ما روي عن األشعري‪ :‬اشهدوا علي أني ال أكفر‬ ‫ً‬ ‫أحدا من أهل القبلة‪.‬‬ ‫مناهجهم في العقائد‪:‬‬ ‫أسباب العلم عند اإلنسان الحس أو الخبر الصادق أو العقل السليم‪.‬‬ ‫والعقائد‪ ،‬إما أن يستدل عليها بعقل أو نقل‪ ،‬فاألصول منها التي تتوقف عليها‬ ‫املعجزة‪ ،‬إثبات وجود هللا تعالى‪ ،‬ال يستدل عليه استدالل إثبات على املنكر إال‬ ‫بالعقل‪ ،‬ثم يؤتى باألدلة النقلية إلثبات صدق ما توصل إليه العقل‪ ،‬وما سوى ذلك‬ ‫يجوز االستدالل عليه بالنقل ال محالة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مطلقا بين العقل والنقل القطعيين‪ ،‬وإن حصل تعارض بين ظاهر‬ ‫فال تعارض‬ ‫ً‬ ‫مطلقا‪ ،‬وأما الظاهر املظنون فيؤول إن أمكن‪ .‬وال‬ ‫وقاطع‪ ،‬فاملعتمد هو القاطع‬ ‫يقدمون العقل على النقل‪ ،‬إذ مفهوم ذلك إبطال النقل‪ ،‬وهم يحيلون ذلك‪ .‬والتقديم‬ ‫فرع التعارض‪ ،‬وال تعارض فال ترجيح إال مع الظني‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫وال يثبت األشاعرة ً‬ ‫حكما شرعيا إال بالنقل‪ ،‬إذ ال حاكم إال هللا تعالى‪ ،‬وهذا‬ ‫األصل مما تميز األشاعرة بالبناء عليه‪ ،‬والتفريع‪ ،‬والدفاع عنه فلم يخصصوه بش يء‬ ‫دون ش يء‪ .‬وبناء على ذلك فإنهم يقولون إنه ال يكلف أحد بأمر تكليفا شرعيا يترتب‬ ‫عليه العقاب‪ ،‬إال إذا وصلته الشريعة على وجهها‪ ،‬وقامت عليه الحجة‪ ،‬وكان متمكنا‬ ‫من النظر والتأمل فيها‪.‬‬ ‫وأما املاتريدية من أهل السنة فمع قولهم بأن الحاكم هو هللا تعالى إال أنهم قالوا‬ ‫يمكن معرفة بعض أحكام هللا تعالى بالعقل بالدالئل الظاهرة التي أقامها هللا تعالى على‬ ‫أحكامه وإن لم يرسل األنبياء والرسل عليهم الصالة والسالم‪ .‬ومن هذه األحكام وجود‬ ‫معرفة هللا تعالى ومعرفة بعض صفاته‪.‬‬ ‫فقد اتفق الفريقان على أن املعارف يمكن أن تكون بالعقل أو بالنقل‪ ،‬وأما‬ ‫ً‬ ‫األحكام فال تكون إال بالنقل‪ ،‬وقد يكون العقل كاشفا عن بعضها ال مثبتا لها‪ ،‬كما عند‬ ‫املاتريدية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أصال ً‬ ‫وطيدا من أصول أهل السنة وهو أن هللا تعالى‬ ‫ومما مض ى يعرف أن هناك‬ ‫مكن البشر من االستدالل بالعقل على بعض أصول العقيدة كوجود هللا تعالى وبعض‬ ‫صفاته جل شأنه‪ ،‬وبعض ما ينبغي لألنبياء عليهم الصالة والسالم وبعض أحكام‬ ‫البعض‪ .‬وأن ما انتشر في الزمان املعاصر من أن العقل ال عالقة له بالدين من حيث‬ ‫إمكان التأسيس املعرفي فهو باطل عند أهل السنة‪ .‬وقد زعم كثير من الحداثيين‬ ‫والعلمانيين أن الدين ال يؤسس على العقل‪ ،‬وزعموا أن الدين مناقض للعقل‪،‬‬ ‫وتوسلوا بهذه املزاعم لخلخلة أركان العقيدة في نفوس الناس‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وما يعرف من إيجاب أهل السنة املعرفة على املكلفين‪ ،‬فهذا ليس تعجيزا لهم‬ ‫كما يعتقد بعض القاصرين‪ ،‬بل هو حض للناس على رفع مستوى العلم والثقافة‬

‫‪23‬‬

‫لديهم‪ ،‬وألن هذا أهم سبب للحفاظ على الدين في نفوسهم‪ ،‬ولذلك فإن من أوجب‬ ‫الواجبات عند أهل الحق تعليم الناس وبيان الدين وأسس العلوم واملعارف لهم‪.‬‬ ‫أساس قسمة أهل السنة إلى ثالثة طوائف‪:‬‬ ‫يقسم بعض العلماء أهل السنة من جهة العقائد إلى ثالث طوائف‪:‬‬ ‫الطائفة األولى‪ :‬أهل الحديث‬ ‫الطائفةالثانية‪ :‬أهل النظر العقلي‪.‬‬ ‫الطائفةالثالثة‪ :‬أهل الوجدان والكشف والتصوف‪.‬‬ ‫وممن اعتمد هذا التقسيم اإلمام البكي صاحب كتاب تحرير املطالب ملا تضمنته‬ ‫عقيدة ابن الحاجب‪ ،‬وتابعه فيه اإلمام الزبـيدي في كتاب إتحاف السادة املتقين‪،‬‬ ‫بشرح إحياء علوم الدين‪ ،‬وغيرهما‪.‬‬ ‫وال يخفى أن مورد قسمة أهل السنة إلى هذه الطوائف الثالثة إنما هو راجع إلى‬ ‫طريقة تقرير العقيدة للناس وألنفسهم يغلبون فيها االحتجاج بالحديث أو العقل أو‬ ‫الكشف والوجدان‪ ،‬ال إلى أصل أخذهم للعقائد فإن هذا مشترك بينهم وهو النقل‬ ‫والشرع‪.‬‬ ‫وهذا يعنى‪ :‬أن الجميع من أهل السنة يأخذون بالكتاب والسنة والعقل‪ ،‬ولكن‬ ‫بعضهم يركز في تثبيته للعقائد في نفوس الناس على النصوص الشرعية من الكتاب‬ ‫والسنة‪ ،‬وهؤالء نحو اإلمام البيهقي وغيره‪ ،‬وهؤالء ال يغفلون العقل وال النظر العقلي‪،‬‬ ‫ولكن أكثر معتمدهم على املنقول‪ ،‬وهؤالء يسمون بأهل الحديث‪.‬‬ ‫ومن أهل السنة من يركز أكثر على األدلة العقلية والبراهين النظرية‪ ،‬كاإلمام الرازي‬ ‫والغزالي والتفتازاني وغيرهم من العلماء‪ ،‬وهؤالء ال يقال إنهم يغفلون األخذ بالكتاب‬

‫‪24‬‬

‫والسنة‪ ،‬وال يقال إنهم يتهاونون بها‪ ،‬ولكنهم وجهوا أنظارهم إلى تحقيق األدلة النظرية‪.‬‬ ‫وهؤالء يكملون ما بدأته الطائفة األولى‪ ،‬ويسمون بأهل الكالم والنظر‪.‬‬ ‫وطائفة من أهل السنة يركزون أكثر على املعاملة مع الخالق والخلق‪ ،‬ومع أنهم‬ ‫يرجعون في االعتقاد إلى طريقة أهل الحديث والنظر ويبنون عليها‪ ،‬ولكنهم يتميزون‬ ‫ببيان نتائج العقائد الدينية على روح اإلنسان‪ ،‬ويحاولون بيان ما يشعرون به في‬ ‫جنانهم باللسان وتربية الخلق على السلوك للترقي في هذه الدرجات واملراتب الروحية‪،‬‬ ‫ومنهم أبو القاسم الجنيد والحارث املحاسبي وغيرهم‪ ،‬ويحاولون إرشاد اإلنسان إلى‬ ‫الطرق العملية التي تساعد على تثبيت العقائد املأخوذة بالطرق السابقة‪ .‬وهؤالء‬ ‫يسمون بالصوفية أو أهل الذوق‪.‬‬ ‫فالحاصل أن جميع هذه الطوائف عقائدهم واحدة‪ ،‬ولكن مسالكهم في تقرير‬ ‫العقيدة وتوضيحها متنوعة‪.‬‬ ‫ويالحظ أن كل واحدة من هذه الطوائف ال تنكر مأخذ غيرها‪ ،‬ولكن كل واحدة‬ ‫تتميز بزيادة اعتمادها على نوع من األدلة‪ ،‬فهو تنوع تابع لتغاير طرق االستدالل‬ ‫ومسالك التقرير‪ ،‬وليس تابعا لتغاير املستدل عليه‪.‬‬ ‫فإن عقائد الجميع واحدة‪ ،‬وال يجوز أن يعتقد املحدث خالف ما يعتقد به املتكلم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وال يخالف الصوفي املتكلم‪ ،‬ال ظاهرا وال باطنا‪.‬‬ ‫بل الجميع ملتهم واحدة‪ ،‬وعقيدتهم واحدة‪ ،‬وهم على قلب رجل واحد‪.‬‬ ‫واختالف طرقهم الختالف طبائع الناس‪ ،‬فمن الناس من يميل بطبيعته إلى الذوق‬ ‫ومنهم من يميل إلى النظر‪ ،‬ومنهم من يميل إلى النقل بمجرده‪ .‬وكل منهم ممدوح ليس‬ ‫بمقدوح‪ ،‬وال اعتراض على واحد منهم‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫وال يخفى أن بعض الذين انتموا إلى اإلسالم وانتسبوا إلى املحدثين والسلف في‬ ‫بعض العصور املتقدمة وعصرنا الحالي قد انحرفوا عن الصراط الحق‪ ،‬كما انحرف‬ ‫كثير ممن لم ينتسب إليهم‪ ،‬فمالوا إلى التجسيم وغيره من البدع‪ ،‬وال شك أن بعض‬ ‫من انتمى إلى اإلسالم وانتمى إلى أهل النظر والكالم‪ ،‬قد قال ببعض ضالالت الفالسفة‬ ‫وغيرهم‪ ،‬وأن من انتمى إلى الصوفية قد قال ببعض ضالالت الباطنية‪ ،‬ولكن وجود‬ ‫هؤالء املنحرفين ال يصح أن يستلزم عند أهل اإلنصاف ذم أصل الطريقة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويستدعي من ذوي العقل إعادة النقد والنظر واإلصالح كلما الحظوا انحرافا أو‬ ‫ً‬ ‫بدعة‪.‬‬ ‫الخالفات بين املاتريدية واألشاعرة‪:‬‬ ‫كتب كثيرون في الخالف بين املاتريدية واألشاعرة‪ ،‬وحاصل الكالم فيها هنا أن‬ ‫الخالف معنوي أو لفظي‪ ،‬واملعنوي إما أصلي أو فرعي‪ ،‬واالخالفات بينهما تقع‪:‬‬ ‫إما في املعنوي الفرعي‪ :‬كمسألة إيجاب اإليمان بالعقل الكاشف عن حكم هللا‬‫تعالى‪ ،‬ومسألةالتكوين‪ ،‬أو مسألة حقيقة اإليمان‪.‬‬ ‫أو في اللفظي وما يقرب منه‪ :‬كمسألة السعيد والشقي‪ ،‬ومسألة االستثناء في‬‫اإليمان‪ ،‬وهي خالفات غير مؤثرة وقد يختار فيها بعض األشاعرة قول املاتريدية‬ ‫والعكس صحيح‪.‬‬ ‫وليس بينهم نزاع في معنوي أصلي بفضل هللا تعالى‪ ،‬قال الكستلي ص‪:17‬‬ ‫"واملحققون من الفريقين ال ينسب أحدهما اآلخر إلى البدعة والضاللة"‪.‬‬ ‫*****‬

‫‪26‬‬

‫رابعا‪ :‬وظيفة أهل السنة وشمول علومهم‬ ‫ً‬ ‫جميعا‪ ،‬أقصد العلوم األصلية والفرعية‬ ‫معارف أهل السنة تشمل العلوم‬ ‫واآللية‪ ،‬وال يتسع املجال لذكر فضائلهم وثمراتهم في هذه العلوم جميعا‪ .‬ولكن‬ ‫املقصود أن نبين أنهم ال يقتصرون على فن دون غيره‪ ،‬وال على علم ويتركون سواه‪،‬‬ ‫ألنهم يعلمون أن العلوم تتكاتف وتتآلف‪ ،‬ويؤيد بعضها بعض‪ ،‬ويتفرع بعضها عن‬ ‫بعض‪.‬‬ ‫وحاصل معارفهم األصلية نجملها فيما يأتي‪:‬‬ ‫‪ -1‬علم التوحيد هو علم أصول الدين‪:‬‬ ‫وهو الذي يتكفل باإلجابة عن أهم األسئلة األصلية التي يعانيها جنس البشر‪ ،‬ويؤيد‬ ‫أجوبته باألدلة العقلية والنقلية الكافية الكفيلة ببعث الطمأنينة في القلوب الزكية‪.‬‬ ‫وهو العلم الذي يتم فيه الجواب عن تأسيس الدين في قلوب العباد‪ُّ ،‬‬ ‫والرد على‬ ‫الشبه الطارئة والقديمة‪ .‬وتنقيح كالم امللل واألديان في كل ما يتعلق بالدين من قريب‬ ‫أو بعيد‪.‬‬ ‫ولذلك فقد شملت بحوثهم أكثر معارف البشر‪ ،‬من الطبيعيات والرياضيات‬ ‫والفلسفة واألديان‪ ،‬واملنقول واملعقول‪.‬‬ ‫وهذا العلم أهم العلوم على اإلطالق‪ ،‬ومنه تستمد سائر العلوم مبادئها‪ ،‬وتتأيد‬ ‫به قواعدها‪ ،‬وتركن إليه نتائجها‪ .‬وفيه بيان املبدأ واملعاد‪ ،‬فهو علم يخدم حقيقة‬ ‫اإلنسان‪ ،‬بمعرفة خالقه واالعتقاد بكماله‪ ،‬ال حكم إال هلل‪ .‬منه املبدأ وإليه املعاد‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -2‬علوم الفقه والشريعة واألحكام‪:‬‬ ‫تقوم هذه العلوم واملعارف على البحث في أحكام أفعال البشر الجزئية العملية‬ ‫والعلمية‪ ،‬فبعد التأسيس املعرفي العتقادهم في علم الكالم كما سبق‪ ،‬ال بد من معرفة‬ ‫حكمها الشرعي ‪ ،‬وبهذا العلم تتأيد األخالق الزكية‪ ،‬وترتاح النفوس العلية‪ ،‬ويسود‬ ‫العدل بين البشر‪ ،‬فما أنزل هللا تعالى هذا الدين إال ملا فيه مصلحة الخلق‪ ،‬وال يستفيد‬ ‫هللا تعالى منه ذرة‪ ،‬وال يتأيد ملكه بما يفعله البشر‪ ،‬كفروا كلهم أو آمنوا‪.‬‬ ‫ويتكفل الفقه بالبحث عن أحكام الجوارح الظاهرة والباطنة‪ ،‬فهو فقه كيفية‬ ‫العمل الظاهر والباطن‪.‬‬ ‫املذاهب الفقهية الكبرى‬ ‫للفقه سلسلة تنتهي إلى رسول هللا عليه الصالة والسالم أخذ علماء أهل السنة‬ ‫ً‬ ‫أصولها كابرا عن كابر عن التابعين والتابعون أخذوها عن الصحابة والصحابة علمهم‬ ‫أعظم معلم وهو رسول هللا عليه الصالة والسالم‪.‬‬ ‫وأهم املذاهب اإلسالمية املعتبرة املذاهب األربعة املذهب الحنفي واملالكي‬ ‫والشافعي والحنبلي‪ ،‬وما تزال منتشرة في بالد اإلسالم حتى يومنا هذا‪ ،‬وقد أسسها الفقهاء‬ ‫األربعة‪:‬‬ ‫ُ َ‬ ‫اإلمام األول‪ :‬النعمان بن ثابت بن زوطى‬ ‫ولد سنة ‪80‬هـ‪ ،‬وتوفي سنة ‪150‬هـ‪ ،‬وحدث أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رباح‪،‬‬ ‫ونافع مولى بن عمر‪ ،‬وقتادة‪ ،‬وحماد بن أبي سليمان الذي الزمه ثماني عشرة سنة‪ ،‬وعنه‬ ‫أخذ الفقه عن إبراهيم النخعي عن علقمة النخعي‪ ،‬واألسود بن يزيد عن ابن مسعود‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫وممن أخذ عن أبي حنيفة‪ :‬أبو يوسف القاض ي‪ ،‬ومحمد بن الحسن الشيباني‪،‬‬ ‫والحسن بن زياد‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬وروى عنه وكيع بن الجراح‪ ،‬وابن املبارك وغيرهم‪.‬‬ ‫اإلمام الثاني‪ :‬مالك بن أنس بن أبي عامراألصبحي‬ ‫ولد سنة ثالث وتسعين‪ ،‬وتوفي في سنة ‪179‬هـ‪ .‬أخذ عن نافع مولى ابن عمر‪ ،‬وابن‬ ‫شهاب الزهري‪ ،‬وشيخه في الفقه ربيعة بن عبد الرحمن املعروف بربيعة الرأي‪ .‬وروى عنه‬ ‫ابن شهاب الزهري‪ ،‬وربيعة الرأي فقيه أهل املدينة‪ ،‬وسفيان الثوري‪ ،‬والليث بن سعد‪،‬‬ ‫واألوزاعي‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ .‬وممن روى عنه تلميذه الشافعي إمام الشافعية‪ ،‬وابن‬ ‫املبارك‪ ،‬ومحمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املطلبي‪.‬‬ ‫اإلمام الثالث‪ :‬هوأبو عبد هللا محمد بن إدريس الشافعي‬ ‫ولد بغزة سنة ‪150‬هـ‪ ،‬وتوفي سنة بمصر في سنة ‪204‬هـ‪ ،‬تعلم ملا استظهر القرآن‬ ‫خرج إلى البادية عند قبيلة هذيل الشهيرة بالفصاحة‪ ،‬وحفظ شعرهم‪ ،‬ولزم بعد ذلك‬ ‫مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة‪ ،‬وتفقه به حتى أذن له باإلفتاء وهو ابن خمس عشرة‬ ‫سنة‪ ،‬ثم رحل إلى مالك والزمه وأخذ عنه املوطأ‪ ،‬رحل إلى العراق والتقى بمحمد بن‬ ‫الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة‪ ،‬واطلع على كتب فقهاء العراق‪ ،‬ثم رجع إلى مكة‬ ‫يستفيد من علمائها‪ ،‬وعاد مرة أخرى إلى العراق في سنة ‪195‬هـ‪ ،‬وصنف كتابه القديم‬ ‫املسمى بالحجة‪ ،‬ويرويه عنه أربعة من كبار أصحابه العراقيين وهم أحمد بن حنبل‪ ،‬وأبو‬ ‫ثور‪ ،‬والزعفراني‪ ،‬والكرابيس ي‪ ،‬وأتقنهم رواية له الزعفراني‪ ،‬ومكث في العراق سنتين‪ .‬ثم‬ ‫ارتحل إلى مصروظهر مذهبه الجديد الذي جمع في كتاب األم‪ ،‬وأكثر أسباب تغير مذهبه‬ ‫ما رآه من عادات وحاالت تخالف ما كان رآه في العراق والحجاز‪ ،‬فتغير وجه اجتهاد في‬ ‫بعض املسائل‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫ومن أشهر تالميذه‪ :‬إسماعيل بن يحيى املزني‪ ،‬أبو إبراهيم‪ ،‬والبويطي وهو أبو‬ ‫يعقوب يوسف بن يحيى‪ ،‬وهو الذي خلف اإلمام الشافعي في حلقته ونشر مذهبه‪ ،‬وكان‬ ‫ً‬ ‫أخذ عن عبد هللا بن وهب أيضا‪.‬‬ ‫اإلمام الرابع‪ :‬أحمد بن حنبل الشيباني‪ ،‬أبو عبد هللا‬ ‫ولد ببغداد سنة ‪164‬هـ‪ ،‬وتوفي في بغداد سنة ‪204‬هـ‪ .‬له رحالت في طلب العلم‪،‬‬ ‫وقد أخذ عن إبراهيم بن سعد‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ ،‬وتفقه على الشافعي ملا جاء بغداد‪،‬‬ ‫وتميز بالحديث وقوة الحافظة‪ ،‬وحوى مسنده أكثر من أربعين ألف حديث‪ ،‬وكان يعتمد‬ ‫ً‬ ‫على الرواية جدا‪ ،‬ويتحرج أن يتجاوز في الفتوى نصوص الشرع أو ما ورد عن الصحابة‪،‬‬ ‫وقلما تراه ينزع إلى القياس‪.‬‬ ‫وهؤالء األئمة األربعة هم أصحاب املذاهب املعتبرة في أنحاء العالم اإلسالمي‪،‬‬ ‫وأقوالهم مأخوذ بها بال ضير وال ترقب‪ ،‬ومن عداهم ال بد من مراجعة أقواله واعتبارها‬ ‫من أهل االعتبار واالجتهاد‪ ،‬وإعادة تنقيحها قبل القبول والعمل‪.‬‬ ‫‪ -3‬السلوك والتصوف‪:‬‬ ‫علم التصوف في حقيقته عمل بالعلوم السابقة‪ ،‬التي تؤسس أحكامه‪ ،‬وتضبط‬ ‫ً‬ ‫قواعده‪ .‬وبالسلوك في هذا الطريق ينكشف لإلنسان ثمرات اإليمان ً‬ ‫علما وعمال‪ ،‬وهي‬ ‫ً‬ ‫أحوال يسميها الصوفية معارف أو علوما‪ ،‬وال يتميز الصوفية امللتزمون بمذهب أهل‬ ‫الحق عن غيرهم من أهل السنة بعقيدة خاصة‪ ،‬وال بفقه خاص‪ ،‬بل يتميزون بالعمل‬ ‫واإلخالص هلل تعالى‪ ،‬واإلخالص في بواطنهم وظواهرهم له جل شأنه‪ .‬وذلك بعد إحكام‬ ‫ما يجب في حقهم من املعارف السابقة‪ .‬فال يتحقق تصوف معتبر في الخارج إال بعد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إحكام العلوم السابقة واإلذعان لها ظاهرا وباطنا‪ ،‬فال يوجد عند صوفية أهل السنة‬ ‫عقيدة ظاهرة وعقيدة باطنة‪ ،‬بل الظاهر كالباطن‪ ،‬والكمال في العمل والتحقق روحيا‬ ‫ً‬ ‫وعلميا‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫ومن أعظم الصوفية املجمع على إمامتهم اإلمام الجنيد وأعالم الرسالة القشيرية التي‬ ‫يصح أن تتخذ منهجا للصوفية في كل العصور‪ ،‬خصوصا بعدما قام شيخ اإلسالم‬ ‫زكرياء بشرحها وتوجيه كالم الصوفية املنقول في ثناياها وتقريره على وفاق مذاهب‬ ‫أهل الحق‪.‬‬ ‫فصارالحاصل‪:‬‬ ‫أن علم التوحيد يبحث في علية العمل‪ ،‬وتأسيس ذلك على إثبات وجود هللا‬ ‫تعالى‪ ،‬وإرسال الرسل وإثبات النبوات‪ ،‬وحقية خاتم الرساالت‪.‬‬ ‫وعلم الفقه يبحث في كيفية العمل الجزئي املبني على تلك األصول العقائدية‬ ‫الكلية‪.‬‬ ‫والتصوف والسلوك هدفه الوصول إلى الغاية التي جعل الدين لها في هذه الدنيا‬ ‫ً‬ ‫وفي اآلخرة‪ ،‬وذلك بجعل اإلنسان عامال بحيث يصير متأهال ألن ينعم عليه هللا تعالى‬ ‫من فيوضاته ومدده‪ ،‬فيزيد من حقيقته وعلو شأنه‪ ،‬ويتخلص من شوائب األهواء التي‬ ‫تدفع به إلى الحضيض في دنياه وآخرته‪.‬‬ ‫*****‬

‫‪31‬‬

‫خامسا‪ :‬جهود أهل السنة في التاريخ اإلسالمي‬ ‫قام أهل السنة بجليل الوظائف في تاريخ املسلمين‪ ،‬في العلم والعمل جميعا‪.‬‬ ‫فأهم العلوم كما مر كانت من إنتاجهم‪ ،‬وأهم الدول التي حافظت على بيضة‬ ‫اإلسالم ونفوذه كانت دولهم‪ ،‬وما انكسر شأن املسلمين إال في العصور التي انخفضت‬ ‫فيها رايتهم‪ .‬وأعمال الصحابة والتابعين في فتوح البلدان ومن تبعهم من دول األمويين في‬ ‫الشرق والغرب‪ ،‬والعباسيين ومن تبعهم من السالجقة واأليوبيين واملماليك‬ ‫والعثمانيين‪ ،‬وكذلك الدول التي قامت في املغرب كدولة بني أمية في األندلس واملرابطين‬ ‫واملوحدين في بالد املغرب‪ ،‬ودول بالد الهند وبالد ما وراء النهر‪ ،‬كل هذه الدول التي‬ ‫قاومت أعداء الدين ووقفت في وجه أعداء املسلمين من التتار واملغول والصليبيين‬ ‫والفرنجة على اختالف ألوانهم وأشكالهم‪ ،‬وأوقفوا الفرق الزائغة عن التخريب في بالد‬ ‫املسلمين كمقاومتهم لدولة الفاطميين والقرامطة وغيرهم مما قامت في الشرق‬ ‫والغرب‪ ،‬نقول كل هذا الدول كانت على طريقة أهل السنة والجماعة‪.‬‬ ‫وأكثر حركات التحرير من استعمار الغربيين والحركات الجهادية في مقاومة‬ ‫االستعمار كانت ذات عقيدة سنية‪.‬‬ ‫ولكن أحوال الزمان انقلبت وتغيرهم‪ ،‬وانكسرت شوكة أهل السنة في عصورنا‬ ‫هذه إلى حد كبير‪ ،‬حتى صارت الفرق الشاذة هي املذكورة في هذا الزمان‪ ،‬وانخفضت‬ ‫راية أهل السنة وذلك لتكالب الدول عليهم‪ ،‬واشتداد األمر وتكالب الظلمات عليهم‪،‬‬ ‫والكالم في هذا الشأن يحتاج إلى محل خاص‪.‬‬ ‫وكذلك قام أهل السنة بالرد على املخالفين للدين من أهل األديان واملتفلسفة‬ ‫واملنحرفين من الفرق اإلسالمية‪ ،‬واملنتسبين إليه من الباطنية واملالحدة‪ ،‬وجهودهم‬ ‫غير خافية على أحد من الناس‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫سادسا‪ :‬ما ينتظرهم في هذا العصر‬ ‫إن الناظر في تاريخ أهل السنة يعلم تماما عظم الواجب الذي ينتظرهم في هذا‬ ‫الزمان‪ ،‬فنحن نعتقد أنه لن تقوم للمسلمين قائمة إال بعد عودة علوم ومعارف أهل‬ ‫السنة‪ ،‬وانتشارها بين الخلق‪ ،‬فهي الكفيلة بتمثيل اإلسالم على وجه صحيح‪ ،‬وهي‬ ‫الحقيقة بالدفاع عنه حق الدفاع‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ونحن ال نغمط ألحد من املسلمين حقا‪ ،‬وال ننكر جهدا‪ ،‬وغاية األمر أن كل‬ ‫الناس عاملون بحسب ما يعتقدون أنه الصواب لهم‪ .‬ونحن قد رسخ علم اليقين في‬ ‫نفوسنا بأن نهضة املسلمين لن تكون إال بعودة معارف أهل السنة والجماعة وترسيخ‬ ‫قواعدهم في املباحث العلمية‪.‬‬ ‫واملخالفون ألهل السنة والجماعة في هذا الزمان‪:‬‬ ‫ً‬ ‫أوال‪ :‬املالحدة من العلمانيين والحداثيين الذين يقدحون في أصل األديان‪،‬‬ ‫ويبطلون التكاليف الشرعية‪ ،‬ويقدحون في نبوة النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ويبطلون‬ ‫فائدة األديان في هذا الزمان‪ ،‬زاعمين أن جنس اإلنسان قد ارتفع شأنه بعدما مر‬ ‫بمراحل تاريخية معينة فلم يعد بحاجة إلى مرشد يرشده‪ ،‬فالحاجة إلى اإلله املزعوم‬ ‫في نظرهم قد بطلت‪ ،‬وبعضهم يصرح بإنكار اإلله‪ ،‬وبعضهم يلوح‪ ،‬وبعضهم يقول‬ ‫بملء فيه‪ :‬ال حاجة لنا إلى البحث أصال في هذه املسألة‪ ،‬فمن شاء فليؤمن ومن شاء‬ ‫فليكفر‪ ،‬كلمة حق أريد بها باطل‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫املحرفة املخالفة لإلسالم كالنصرانية (املسيحية) واليهودية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬األديان‬ ‫وغيرهما من األديان الوضعية واملختلقة ملآرب وأهداف معلومة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ثالثا‪ :‬الفرق الباطنية كالبهائية واإلسماعيلية وأصحاب التأويالت الباطنية‬ ‫املنتسبين إلى اإلسالم عن غواية وضالل‪ ،‬ملآرب يقصدونها‪.‬‬ ‫‪33‬‬

‫ر ً‬ ‫ابعا‪ :‬املخالفون ألهل السنة من الفرق اإلسالمية األخرى‪ ،‬سواء كانت راسخة‬ ‫ً‬ ‫في اإلسالم كاملجسمة وفروع هذا املذهب من الكرامية ً‬ ‫قديما‪ ،‬والتيمية حديثا‪ ،‬ومن‬ ‫ينتسب إليهم ويتأثر بهم من املسلمين‪ .‬ومن الفرق األخرى التي ال تكف عند حد في‬ ‫القدح بعلوم أهل السنة كالشيعة املتربصة بأهل السنة والجماعة كل تربص‪ .‬وغيرهم‬ ‫من الفرق اإلسالمية األخرى التي تتراوح في عدائها ألهل السنة ومجاهرتهم أو إسرارهم‬ ‫لذلك‪.‬‬ ‫ً‬ ‫خامسا‪ :‬الجهلة من العوام ورعاع الخلق الذين يتأثرون بكل ناعق‪ ،‬ويميلون إلى‬ ‫كل مميل وزاعق‪.‬‬ ‫وال ريب أن طريقة تعامل أهل السنة مع كل طائفة من هذه الطوائف ينبغي أن‬ ‫تكون مالئمة لها‪ ،‬فال يصح أن نعامل أهل الفرق اإلسالمية كتعاملنا مع املالحدة‬ ‫واملنحرفين عن أصول الدين‪ ،‬أو الطاعنين في قواعد اإلسالم ونبوة نبيه الكريم صلى‬ ‫هللا عليه وسلم‪ .‬وال يصح أن نتعامل مع الفرق التي تبني على أنظار قوية كالتعامل مع‬ ‫الفرق الظاهرة العوار‪.‬‬ ‫ولكن الضابط األكيد مع الجميع ينبغي أن يكون العمل بقواعد القرآن من‬ ‫الجدال بالتي هي أحسن‪ ،‬بما يفض ي إلى تقريب الخلق إلى الدين ال تنفيرهم وتبعيدهم‬ ‫عنه‪ .‬فإن هدف أهل السنة الذي نشأوا عنه ويرجعون إليه هو بيان الدين والدفاع‬ ‫عنه لتقريبه إلى قلوب البشر وترغيبهم به‪.‬‬ ‫*****‬

‫‪34‬‬

‫خاتمة ‪ :‬وصف عام لحال أهل السنة والجماعة في هذا الزمان‬ ‫من املعلوم أنه ال حياة للدين في نفوس الناس إال بوجود العلماء العاملين‬ ‫املشهود لهم بعلمهم وتقواهم‪ ،‬فالعلماء هم حراس الدين‪ ،‬وبزوالهم يتخطف الدين‬ ‫أعداؤه من كل جانب‪ ،‬وإذا كان العلماء فاسدين فسد الناس‪ ،‬وإذا تولى بعض من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يدعي العلم أمور الفتوى‪ ،‬فإذا كان ضاال فاسدا أو خرعا ال شخصية له وال نفوذ‪،‬‬ ‫ويسهل التلبيس عليه‪ ،‬فإنه يترتب على ذلك أنه يمكن التلبيس على عامة الناس‬ ‫بواسطة هذا العالم‪.‬‬ ‫واملسلمون منذ أقدم األزمنة ال يقتدون إال بالعلماء وال يستجيبون للحكام إال إذا‬ ‫رض ي عنهم العلماء والحوادث في التاريخ شاهدة بصحة ما أقول‪.‬‬ ‫وقد كان حال الناس على ذلك منذ زمن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وكان‬ ‫الناس متفقين في سالف األزمان على إمامة العلماء والفقهاء األربعة وكل من تبعهم‪.‬‬ ‫وبقي الناس ملتفين حول العلماء ما دام العلماء عاملين يرشدون الناس‬ ‫ويعلمونهم‪ ،‬حتى إذا ضعفت العالقة بين الناس والعلماء في العصور املتأخرة من‬ ‫الدولة العثمانية‪ ،‬وما تبعها فيما يـسمى بعصر االستقالل من االستعمار‪ ،‬ازداد جهل‬ ‫الناس بدينهم لتقصير من العلماء‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لقد علم الكفار علما قاطعا أنهم ال يستطيعون أن يسيطروا على األمة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬إال إذا أبعدوا الناس عن دينهم‪ ،‬وأكبر الطرق املساعدة على ذلك هي تجهيل‬ ‫الناس بأمور دينهم‪.‬‬ ‫وعلموا أنهم ال يمكنهم أن يصرحوا بمنع الناس عن دينهم بصورة صريحة‪ ،‬ألن‬ ‫هذا يولد ردة فعل نحو الدين نفسه فيخسرون وال ينفذ ما يريدون‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫فعملوا على التخطيط في السير في طريق أخرى‪ ،‬وهي إيهام الناس أن الفهم‬ ‫الصحيح للدين ليس على ما يتوهمونه بل على صورة أخرى يريدون أن يكون الدين‬ ‫عليها‪ ،‬فأخذوا من الدين بعض الفروع‪ ،‬ونشروا بعض أراء املسلمين الفاسدة‪ ،‬وجعلوا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جهدهم منصبا لعدم نشر الصالح منها‪ ،‬ولكن بقدر محدود أيضا لئال يتنبه إلى ذلك‬ ‫األلباء‪.‬‬ ‫لقد كان الناس حتى نهاية الدولة العثمانية أو قبل انتهائها بفترة متلقين أمور‬ ‫دينهم من العلماء املنتسبين إلى أهل السنة ومن أهل املذاهب األربعة‪ .‬وكان ال يتكلم في‬ ‫أمور الدين إال العالم فيها‪ ،‬وكان للعلماء هيبة‪ ،‬وال نزعم كمال األمر في ذلك‪ ،‬إال أنهم‬ ‫كانوا جملة على الطريق املستقيم ولم يكونوا ضالين وال متقصدين إلضالل الخلق‬ ‫بتركهم على جهلهم‪ .‬فكانت ثقة الناس بهم موجودة‪ ،‬وحاجتهم إليهم عظيمة في الحياة‬ ‫الخاصة والعامة‪.‬‬ ‫وقد عمل األعداء لهذا الدين في هذا املجال على تقليل تعلق الناس بعلمائهم‬ ‫ً‬ ‫تدريجيا‪ ،‬وقد تعرضت معاهد العلوم الكبرى (كاألزهر الشريف والقرويين والزيتونة‬ ‫وغيرها) في العالم اإلسالم إلى هجمات شديدة خصوصا خالل القرنين املاضيين وحتى‬ ‫هذا العصر الذي نعيش فيه‪ ،‬وتعرضت إلى ضغوط سياسية وفكرية داخلية وخارجية‬ ‫أدت في كثير من األحيان إلى زعزعة كثير من األركان التي كانت سببا في قوة تأثير هذه‬ ‫املراكز في املسلمين عبر التاريخ‪.‬‬ ‫وبعض الهجمات والتشكيات كانت من أناس مخالفين ألصول الدين اإلسالمي‪،‬‬ ‫يريدون تغيير كثير من أصوله ويجدون أن التشكيك في األصول التعليمية في املعاهد‬ ‫الكبرى سيكون طريقا إلى ذلك‪.‬‬ ‫وبعض الهجمات نشأت ‪-‬وما زالت‪ -‬على أيدي فرق من املنتمين إلى اإلسالم‪،‬‬ ‫عرفت أنها لن تقدر على نشر أفكارها املنحرفة املخالفة ألهل السنة والجماعة‪ ،‬إال‬ ‫‪36‬‬

‫بالهجوم على التعاليم واآلراء الدينية العلمية والعملية الراسخة في هذه املعاهد‪،‬‬ ‫والسعي لترويج بعض اآلراء واملذاهب الباطلة بين الخلق‪.‬‬ ‫وهذا وغيره من أسباب وضغوظ عظيمة على علماء اإلسالم‪ ،‬ال مجال هنا‬ ‫لذكرها‪ ،‬أدى إلى أفول نجم مراكز تعليم العلم الشرعي العظمى‪ ،‬مما أدى إلى ترسيخ‬ ‫أسباب كافية للجوء الناس إلى أسس تعليمية أخرى ومراكز بديلة مختلفة في الطريقة‬ ‫واألهداف عن هذه األصول‪ ،‬فكان أن ظهر البديل األجنبي للعلوم اإلسالمية وللمدارس‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬ولألفكار اإلسالمية‪ ،‬وللطريقة األقوى لتعليم العلوم اإلسالمية‪ ،‬وهذه هو‬ ‫املدارس والجامعات املنتشرة في مختلف بقاع العالم اإلسالمي‪ .‬وظهرت بعض‬ ‫الجامعات في البالد العربية تابعة ملذاهب منحرفة استطاعت الترويج لنفسها بين‬ ‫طالب العلم بالترغيب والترهيب‪ ،‬فنشرت مبادئ غير قويمة وآراء منحرفة عن الحق في‬ ‫أكثر من مسألة ومبحث من املباحث العقدية املهمة‪.‬‬ ‫ومع ظهور ذلك‪ ،‬انخفض فهم الناس للعلم الشرعي‪ ،‬وبذا قل ارتباطهم بالدين‬ ‫نفسه وبأهل الدين الذين هم أهله‪ ،‬ألنه ال تدين بغير علم كما هو مقرر عند العلماء‪،‬‬ ‫وفي الوقت نفسه صارت األلقاب تتبدل فبعد أن كان املشايخ هم الذين يعلمون‬ ‫الناس‪ ،‬وبعد أن كان الحفاظ واملفسرون والفقهاء واألصوليون واملتكلمون هم قادة‬ ‫الناس‪ ،‬وانمحت أو كادت أن تمحي طريقة املشايخ التقليدية في تعليم العلوم الشرعية‬ ‫التي ترسخها وتؤصلها كما ينبغي في نفوس طالب العلم‪ ،‬وظهرت بدائل لها تجري على‬ ‫أسس غربية‪ ،‬تأخذ من أصول العلوم بأقل القليل مع خلط عظيم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وملا كان املنهج في أكثر تلك الجامعات تلفيقيا كانت األحكام املوجودة أيضا‬ ‫ملفقة‪ ،‬أي ليست قائمة على أساس صحيح ومتين‪ ،‬مما أدى إلى ظهور التلفيق في تربية‬ ‫الناس على مقتض ى الهداية اإلسالمية‪ ،‬فظهرت جوانب الخلل االجتماعية والسياسية‬ ‫والتربوية تبعا لذلك‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫صارت تتولد شكوك عظيمة في كون جماهير الناس على الصراط املستقيم من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فهم الدين أصوال وفروعا‪ .‬وصار النابتة يتكلمون في املسائل العظيمة‪.‬‬ ‫حتى لقد رأيت وهللا من لم يمض على التزامه بالدين إال فترة قليلة‪ ،‬ولم يتعلم‬ ‫بين يدي شيخ متقن وال هو ممن يفهمون كيف يقرؤون الكتب ويستفيدون األحكام‬ ‫منها‪ ،‬ومع ذلك جعل يتكلم في أمور دقيقة في مسائل العقائد تتعلق بالنبوات‬ ‫والكرامات‪ ،‬وهو يوهم من يراه أنه العالم املتمكن‪ ،‬وما درى املسكين في أي بحر‬ ‫يخوض‪ ،‬والجلوس جعلوا ينادونه بالشيخ على عادة الناس‪ ،‬حتى تكلمت وبينت لهم‬ ‫تهافت كالمه ونبهته إلى خطورة هذه املواضيع ومدى خطا من يخوض فيها من دون‬ ‫علم‪.‬‬ ‫وهذا هو شأن كثير املنتمين للدين‪ ،‬وهم ال يتورعون عن وصف بعض العلماء‬ ‫ممن حصل االتفاق بين الناس أنهم مهتدون‪ ،‬يصفونهم باالبتداع والضالل‬ ‫ويخرجونهم من أهل السنة والجماعة ويشككون في عقيدتهم وسالمة طويتهم كما‬ ‫انتشر التشكيك في إمام األئمة اإلمام أبي حنيفة النعمان على ألسنة مشايخ ينتمون‬ ‫إلى بعض الفرق اإلسالمية املنحرفة‪.‬‬ ‫ونعود إلى ما كنا فيه فنقول‪:‬‬ ‫عندما كان البساط يسحب من تحت علماء املذاهب املعتمدة‪ ،‬كان يجثو عليه‬ ‫ويعتليه أناس آخرون‪.‬‬ ‫وكان هؤالء في نفس الوقت يتسلمون قيادة الجماهير املسلمة‪ ،‬ويتحكمون‬ ‫بأعناقهم وأفكارهم وعقولهم‪.‬‬ ‫وبيان هذا‪:‬‬

‫‪38‬‬

‫أن الناس لكي يبتعدوا عن دينهم كان ال بد أن يمروا في مراحل حتى يحدث‬ ‫االنتقال غير مفاجئ ألحد‪ ،‬بل كي يحدث كأنه جزء من الدين‪.‬‬ ‫فأول الخطوات‪ :‬كانت ذم املذاهب الفقهية‪ :‬تحت صورة ذم التقليد‪ ،‬وتشجيع‬ ‫االجتهاد وتسهيله أي إيحاء أنه سهل ميسور لكل أحد‪ ،‬وتشويه صورة الفقهاء األعالم‬ ‫وتصويرهم متبعين ألهوائهم‪ ،‬وتصويرهم كأنهم ال يهتمون إال باملسائل الغريبة التي ال‬ ‫نفع منها في الحياة الدنيا واآلخرة‪ ،‬ويحكون للناس أنهم يؤولون األحاديث مهما كانت‬ ‫صريحة لتوافق رأي إمامهم وإن خالف صريح الكتاب والسنة!‬ ‫حتى برز بعض الصعاليك الذين يقولون نحن رجال وهم رجال‪ .‬وليسوا إال صبية‬ ‫ً‬ ‫حمقى لم يجدوا لهم شيئا يضيعون به وقتهم إال الهجوم على علم الشريعة بأساليبهم‬ ‫الفاسدة‪ ،‬وآ ائهم الكاسدة‪ ،‬فال تكاد تجد فيهم ً‬ ‫موفقا صاحب عقل سليم؛ وكثير منهم‬ ‫ر‬ ‫جهلة معاندون للحق‪.‬‬ ‫أقول‪:‬‬ ‫هجم هؤالء على علوم الشريعة‪ ،‬بل على النصوص الشرعية‪ ،‬يفهمونها بأذواقهم‬ ‫السقيمة‪ ،‬وجعلوا يشتغلون بعلم الحديث وهو أصعب العلوم الشرعية‪ ،‬ال يكاد يبرز‬ ‫فيه إال من تداركه هللا بتوفقيه وبالغ عنايته‪ ،‬وجعلوا يقولون‪ :‬من األفضل‪ ،‬أن نأخذ‬ ‫من فم الرسول –عليه الصالة والسالم‪ -‬مباشرة أم من أبي حنيفة والشافعي ومالك‬ ‫وأحمد وغيرهم من الفقهاء؟‬ ‫فال يكاد أحد يغفل عن تناقض هذا السؤال‪ ،‬وسخافته‪ ،‬حتى يقول لهم‪ :‬بل‬ ‫ً‬ ‫األفضل قطعا هو األخذ من الرسول صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫وينس ى أن هؤالء الفقهاء األعالم ما كان أخذهم إال من القرآن والسنة‪ ،‬وأنه ليس‬ ‫كل أحد يجوز أن يتصدى الستنباط حكم هللا في هذا األمر‪ ،‬بل لالجتهاد شروط يجب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫على كل أحد يخوض فيه أن يحصلها وإال فال عبرة بقوله وإن مأل الدنيا صراخا وعويال‪.‬‬ ‫وهكذا صار يعد من اإلثم والخطأ العظيم أن ينتسب الواحد إلى الشافعي أو إلى‬ ‫أبي حنيفة‪ ،‬فيقولون له بل االنتساب إنما يكون إلى اإلسالم ال إلى مذهب من املذاهب‪،‬‬ ‫موهمين إياه أن هذه املذاهب مخالفة لإلسالم‪ ،‬وهي في الحقيقة تستمد من عين‬ ‫الشريعة‪.‬‬ ‫فتركوا وراء ظهورهم كل هذه الكنوز الهائلة من كالم العلماء ولم يتقيدوا حتى‬ ‫بأسلوبهم ومنهجهم في األخذ والتلقي‪ ،‬وقالوا إن هذا الطريق كاف ليوصلنا إلى النجاة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقد أمض ى هؤالء التعساء شطرا من أعمارهم يلثهون وراء أحكام انتهى منها‬ ‫الفقهاء منذ أقدم األزمنة‪ ،‬مثل تحريك األصبع في الصالة‪ ،‬ولبس الدشداشة‪ ،‬وترك‬ ‫ذؤابة على رأسه وغير هذا من مسائل هي من فروع الفروع‪ ،‬وجعلوا من دون وعي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يقتلون األمة ويمعنون فيها ذبحا وتشريحا‪ ،‬وهم يدركون أو ال يدركون‪.‬‬ ‫وتركوا األمة معهم حيارى ال يتمسكون بش يء‪ ،‬وال يهتمون بأمر وشكوا عقالءهم‬ ‫في نجاعة العلوم اإلسالمية ونصاعة عقول علماء املسلمين ومعارفهم‪.‬‬ ‫وملا برز هؤالء في هذا العصر‪ ،‬وأرادوا بزعمهم إصالح حال هذه األمة بحسب‬ ‫أذواقهم ومعارفهم املختلطة‪ ،‬درجوا على اعتبار أن األصل فيما هو موجود معروف من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫األمور الدينية خطأ وانحرافا‪ ،‬وشككوا الناس بمعارفهم الدينية التي تلقوها عن أعالم‬ ‫العلماء الراسخين‪ ،‬ورفضوا معه املنهج الذي اعتاد عليه الناس ومن أهم أصول هذا‬ ‫املنهج اتباع الفقهاء والعلماء املشهود لهم بالعلم من أهل السنة والجماعة‪ ،‬وعدم‬ ‫جواز الهجوم بالنقد على املعارف الدينية إال للذي تحققت فيه الشروط املبيحة‬ ‫لذلك‪ ،‬فصار هؤالء الحمقى يقدحون في كل أمر يعتاده الناس‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫ً‬ ‫فإذا رأوا واحدا ينتمي إلى أحد الفقهاء األربعة قالوا له‪ :‬هذا تقليد غير الرسول‬ ‫عليه السالم! وهذا اتباع باطل‪.‬‬ ‫وإذا رأوا الناس العوام ال يهتمون بالتدقيق في األدلة لحسن ظنهم بالفقهاء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫العظام‪ ،‬ذموهم على ذلك! وطلبوا من كل واحد أن يسأل من يذكر له حكما شرعيا‬ ‫عن الدليل وال يكتفي بأن ينسبه إلى عالم فقيه‪ .‬وزعموا أن هذا االجتهاد الواجب في‬ ‫حقهم!‬ ‫ً‬ ‫وجعلوا دراسة علم الحديث أهم واجب في الدين‪ ،‬وتهافتوا على ذلك تهافتا‬ ‫ً‬ ‫عجيبا‪ ،‬وغفلوا عن األصول القرآنية واالجتهادية التي ال ينبغي أن يظن أنها دخلية على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املناهج الفقهية واألصلية عند املسلمين‪ ،‬حتى صرت ترى أدنى الناس عقال وعلما يحتج‬ ‫بأنه يصحح ويضعف‪ ،‬ويستنبط من كالم الرسول صلى هللا عليه وسلم مباشرة بال‬ ‫حاجة إلى وسائط‪ ،‬وهكذا أوقعوا الناس في إرتباك عظيم‪ .‬وجعلوهم يشكون في كل ما‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يتعلق بالدين أنه من الدين‪ .‬وقد يكون صحيحا‪ .‬بل غالب ما ردوه‪ ،‬كان ردهم باطال‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وغالب ما شددوا فيه كان تشديدهم سخفا منهم‪ ،‬ودليال على قلة عقلهم‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهكذا ملا ابتدءوا برد ما عند الناس‪ ،‬صار من املحتم أن يوجدوا للناس بديال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫للمنهج الذي ردوه ولألحكام كذلك‪ .‬فأوجدوا منهجا ملفقا وأحكاما كاذبة كذلك وجعلوا‬ ‫يصرون على أن هذا هو الحق‪ ،‬كل هذا وأهل الحق غافلون عما يجري‪ ،‬أو كانوا واعين‪.‬‬ ‫ولكنهم كمن قلعت أظافره‪ ،‬وعميت عيناه‪ ،‬وصار أولئك املناكيد يتكلمون بألسنة‬ ‫جارحة في حق الناس وكثير من العلماء األعالم‪ ،‬وجعلوا يلحقون تهمة االبتداع إلى كل‬ ‫من خالفهم‪ ،‬ولو في أمر من األمور االجتهادية في الفقه أو غيره‪ ،‬وربما لم يتوانوا عن‬ ‫تكفير بعض من خالفهم ألتفه األسباب‪ .‬ونتج عن كل هذا نواتج سيئة العاقبة‪ ،‬فهؤالء‬ ‫الجاهلون ملا لم يكن لديهم من العقول ما يكفي لالستدالل على املذهب الحق‪ ،‬فقد‬ ‫كان ناتج قولهم عبارة عن خليط عجيب من التلفيق والتهافت الذي يضحك منه‬ ‫الصبيان‪.‬‬ ‫‪41‬‬

‫وجعلوا يضيعون أوقاتهم وأوقات الناس في سبيل بحث مسائل ال ينبغي صب‬ ‫االهتمام الكبير إليها وترك غيرها‪ ،‬وهؤالء لم يستطيعوا أن يقعدوا من الناس مقعد‬ ‫العلماء‪ ،‬الذين يعلمون الناس املذهب الحق والطريق املستقيم‪ ،‬ولذا اكتفوا بإثارة‬ ‫بعض املسائل كما قلنا وتركوا الناس يشتغلون بها‪.‬‬ ‫ولعدم وجود العلم الشرعي القوي بين غالب الناس‪ ،‬فقد اكتفى جل هؤالء بترك‬ ‫االلتفات إليهم‪ ،‬ومن التفت فإن لم يكن عنده علم وال تروي وقع فيما وقعوا هم فيه‪،‬‬ ‫وإال اضطر إما ملهاجمتهم وبيان تهافت قولهم‪ ،‬فينسبون إلى االبتداع‪ ،‬أو يكتفي‬ ‫بمعرفته لنفسه‪ ،‬فال يسلمه من بعض شروروهم‪ .‬هذا هو حال عامة الناس‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وأما الفئة التي عندها نوع علم بالذي يجري‪ ،‬فهذه غالبا مجردة من وسائل‬ ‫التأثير وإيصال رأيها إلى الناس‪ ،‬ألن الدولة كما قلنا هي دولتهم‪ ،‬واألموال بأيديهم‪ ،‬وأما‬ ‫أهل الحق فقد جردوا من أسلحتهم منذ جرد األزهر الشريف مما كان عليه‪.‬‬ ‫وقد انتسب هؤالء املناكيد إلى مذهب اإلمام أحمد بن حنبل رحمه هللا‪ ،‬وما هم‬ ‫منه‪ ،‬ولكن اقتضت الضرورة التاريخية هذا االنتماء‪.‬‬ ‫فإنه ملا كانت املذاهب الثالث الباقية هي املنتشرة وكان مذهب الدولة العثمانية‬ ‫هو مذهب أبي حنيفة‪ ،‬وبالد املغرب على مذهب مالك وبالد الشام ومصر على مذهب‬ ‫الشافعي‪ ،‬ومعظم الباكستان والهند ومليبار والصومال وأندونيسيا وبالد ما وراء النهر‬ ‫والصين وأغلب بالد العالم إما على مذهب أبي حنيفة مذهب الشافعي‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أما املذهب الحنبلي فلم يكن منتشرا بين املسلمين‪ ،‬ولم يظهر إال بعد ظهور‬ ‫املذهب الوهابي وتلك الدعوة املشبوهة‪ ،‬واتكأ هؤالء الناس على املذهب الحنبلي‬ ‫ً‬ ‫سالحا في وجه املذاهب األخرى‪ ،‬وبهذا يكونون قد ضربوا اإلسالم ببعض‪ .‬وظهر صيت‬ ‫اإلمام أحمد بن حنبل كأنه إمام السنة الوحيد وال إمام غيره‪ ،‬بل زعموا أنه اإلمام‬ ‫‪42‬‬

‫الكامل في مقابل األئمة الثالث‪ ،‬الذين وقعوا في أخطاء نجا منها أحمد كما يدعي هؤالء‬ ‫املساكين‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هذا بعض ما يتعلق بجانب من جوانب االنخداع التي وقع فيها الناس‪ .‬وإن كثيرا‬ ‫منا لناس لتهتز صورة اإلسالم في نفسه نتيجة العتراضه على مواقف علماء يظنهم ال‬ ‫يسيرون على النهج الصحيح‪ ،‬نتيجة لتغير املفاهيم االعتقادات وتسلمهم املعارف‬ ‫املنسوبة للدين من غير أهلها‪.‬‬ ‫وكم نحن بحاجة اليوم إلى إعادة االعتبار ألهل السنة والجماعة‪ ،‬الجامعين ملا‬ ‫تفرق من معارف اإلسالم‪ ،‬وإلى نشر علومهم ومعارفهم وأذواقهم‪ ،‬فإن في هذا لعمر‬ ‫الحق نجاة األمة في الدنيا واآلخرة‪.‬‬ ‫وهللا املوفق‬

‫‪43‬‬

‫فهرست‬ ‫مذهب أهل السنة والجماعة‪2 ................................................................‬‬ ‫تمهيد‪2 .................... ................................ ................................ :‬‬ ‫تعريف موجز باملذهب األشعري ‪5 .................. ................................‬‬ ‫أوال‪ :‬مؤسسه ‪5 ............ ................................ ................................‬‬ ‫ما يقال عن تراجعه عن األشعرية‪9 ............... ................................ :‬‬ ‫من أبرز تالمذة األشعري‪10 ......................... ................................ :‬‬ ‫من أبرز أئمة املذهب ‪15 ............................... ................................‬‬ ‫ً‬ ‫ثانيا‪ :‬ترجمة موجزة لإلمام املاتريدي ‪18 ........... ................................‬‬ ‫ومن تالمذة املاتريدي‪19 .............................. ................................ :‬‬ ‫ومن أعالم املذهب املاتريدي‪19 .................... ................................ :‬‬ ‫ثالثا‪ :‬خالصة عقائد األشاعرة واملاتريدية (أهل السنة والجماعة) ‪21 ....‬‬ ‫مناهجهم في العقائد‪22 ............................... ................................ :‬‬ ‫أساس قسمة أهل السنة إلى ثالثة طوائف‪24 ................................. :‬‬ ‫الخالفات بين املاتريدية واألشاعرة‪26 ............ ................................ :‬‬ ‫ً‬ ‫رابعا‪ :‬وظيفة أهل السنة وشمول علومهم ‪27 ....................................‬‬ ‫وحاصل معارفهم األصلية نجملها فيما يأتي‪27 ................................ :‬‬ ‫‪-1‬علم التوحيد هو علم أصول الدين‪27 ...................................... :‬‬ ‫‪-2‬علوم الفقه والشريعة واألحكام‪28 ........... ................................ :‬‬ ‫املذاهب الفقهية الكبرى ‪28 .......................... ................................‬‬ ‫‪-3‬السلوك والتصوف‪30 ............................ ................................ :‬‬ ‫ً‬ ‫خامسا‪ :‬جهود أهل السنة في التاريخ اإلسالمي ‪32 ...............................‬‬ ‫ً‬ ‫سادسا‪ :‬ما ينتظرهم في هذا العصر ‪33 ............ ................................‬‬ ‫خاتمة ‪ :‬وصف عام لحال أهل السنة والجماعة في هذا الزمان ‪35 ........‬‬ ‫‪44‬‬

Ahl Asunna أهل السنة والجماعة